دليل النهي:
عن جابر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي (^٢) إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ» (^٣).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في حكم حلق الرأس في غير الحج والعمرة، على قولين:
القول الأول: يُباح حلق الرأس، والأفضل تَركُه.
وهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).
القول الثاني: يُكره حلق الرأس.
وهو مذهب المالكية (^٧)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٨).
_________________
(١) تتناول المسألة حلق الرجل رأسه، أما حلق المرأة رأسها: فستفرد في مبحث لاحق.
(٢) النَّوَاصِي: جمع، مفرده: ناصية -بكسر الصاد- مقدم الرأس. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٥١٠)، شرح الإلمام (٤/ ٣٦٢)، وهو هنا مما ذُكر منه البعض وأُريد به الكل.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٩/ ١٨٠) برقم: (٩٤٧٥)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٣/ ٢٦١): «فيه محمد بن سليمان بن مَسْمُول، وهو ضعيف بهذا الحديث وغيره»، وقال الألباني في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) (١٢/ ٤٧٧): «منكر».
(٤) يُنظر: الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٧)، عمدة القاري (٢٢/ ٥٨). وجاء في بدائع الصنائع (٢/ ١٩٢) ما يفيد الجواز في غير الحج والعمرة، حيث قال الكاساني: «حلق الرأس يزيل الشعث والتفث؛ وهو من باب الارتفاق بمرافق المقيمين، والمحرم ممنوع عن ذلك …».
(٥) يُنظر: تحفة المحتاج (٢/ ٤٧٦)، مغني المحتاج (١/ ٥٦٣).
(٦) يُنظر: المغني (١/ ٦٧)، الإنصاف (١/ ٢٥٨).
(٧) يُنظر: الفواكه الدواني (١/ ٢٦٥)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٤).
(٨) يُنظر: المغني (١/ ٦٧)، الإنصاف (١/ ٢٥٨).
[ ١٤٩ ]
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن ابن عمر -﵄-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى صَبِيًّا حُلِقَ بَعْضُ شَعَرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهم عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ» (^١).
وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- سَوَّى بين الحلق والترك وخيَّر بينهما، والتخيير دليل صريح على الإباحة، ولا يحتمل تأويلًا (^٢).
الدليل الثاني: عن عبد الله بن جعفر -﵄- (^٣): «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ (^٤)، فَقَالَ: ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ، فَأَمَرَهُ، فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا» (^٥).
وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أمر بحلق رؤوسهم، ولو لم يَجُز الحلق ما حلقهم، فهذا دليل على جواز حلق الرأس جميعه (^٦).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الترجل، باب في الذؤابة (٦/ ٢٦١) برقم: (٤١٩٥)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الزينة، باب الرخصة في حلق الرأس (٨/ ١٣٠) برقم: (٥٠٤٨)، وأحمد (٩/ ٤٣٧) برقم: (٥٦١٥)، صححه ابن حبان (١٢/ ٣١٨) برقم: (٥٥٠٨)، قال النووي في (رياض الصالحين) (ص: ٤٦٣): «رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم».
(٢) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٧/ ١٦٧)، عون المعبود (١١/ ١٦٦).
(٣) هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي، كنيته أبو جعفر، وهو أول مولود وُلد في الإسلام بأرض الحبشة، قدم مع أبيه المدينة، وحفظ عن رسول الله -ﷺ-، وروى عنه، وروى عن: أمه أسماء بنت عميس وعمه علي ابن أبي طالب وعثمان وعمار بن ياسر، وروى عنه: بنوه معاوية وإسحاق وإسماعيل وأم أبيها وابن خالته عبد الله ابن شداد بن الهاد وغيرهم، وكان عبد الله يُسمى بحر الجود؛ لكرمه وجوده. تُوفي بالمدينة سنة ٨٠ هـ وهو ابن ٩٠ سنة. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ٨٨٠)، تهذيب التهذيب (٥/ ١٧٠).
(٤) أَفْرُخ: جمع: فَرْخ، وهو صغير ولد الطير، أي: كنا صغارًا. يُنظر: القاموس المحيط (ص: ٢٥٦)، شرح المصابيح (٥/ ٧٠).
(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الترجل، باب في حلق الرأس (٦/ ٢٥٩) برقم: (٤١٩٢)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب السير، إذا قُتل صاحب الراية: هل يأخذ الراية غيره بغير أمر الإمام؟ (٨/ ١٨) برقم: (٨٥٥٠)، وأحمد (٣/ ٢٧٨) برقم: (١٧٥٠) مطولًا، قال النووي في (رياض الصالحين) (ص: ٤٦٣): «رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم»، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٦/ ١٥٧): «روى أبو داود وغيره بعضَه، ورواه أحمد، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح».
(٦) يُنظر: التمهيد (٢٢/ ١٣٨)، نيل الأوطار (١/ ١٦١).
[ ١٥٠ ]
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن أبي موسى -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ (^١)، وَسَلَقَ (^٢)، وَخَرَقَ (^٣) (^٤)، وفي رواية: «لَيْسَ مِنَّا من حلق (^٥) …» (^٦).
وجه الاستدلال: أن البراءة من فاعل هذه الأمور -ومنها: حلق الرأس- وقوله: (ليس منا)، مبالغة في الردْع عن الوقوع فيها، دالٌّ على كراهتها.
نُوقش: أن هذا استدلال بالحديث في غير المراد به، وإنما المراد هنا النهي عن الحلق للتسخط على المصيبة؛ بدلالة قوله: (وسلق، وحلق) (^٧)، وقصة الحديث تدل على ذلك.
الدليل الثاني: عن جابر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ» (^٨).
وجه الاستدلال: أن في الحديث النهي عن حلق الرأس في غير النُسُك، والنهي للكراهة والتنزيه.
_________________
(١) الحَلْقُ: من حلق حلقًا، وحلاقة الرأس: أزال عنه الشعر، والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٢٧)، لسان العرب (١٠/ ٥٩)، معجم لغة الفقهاء (ص: ١٨٥).
(٢) سَلَقَ: أي: رفع صوته عند المصيبة، ويُقال بالصاد، وهما لغتان، وجاء في رواية: الصالقة: وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٤٩٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٨ و٣٩١)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ١١٠).
(٣) الخَرْقُ: الشق، وجاء في رواية: الشاقة: وهي التي تشق ثوبها عند المصيبة. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٤٦٦)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٦)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ١١٠).
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية (١/ ١٠٠) برقم: (١٠٤)، وفي قصة الحديث: أنه لما ثقل أبو موسى -﵁- أقبلت امرأته تصيح
(٥) ليس منا: أي من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ: المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك. يُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٩/ ٥٣٧)، فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٦٣).
(٦) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية (١/ ١٠٠) برقم: (١٠٤).
(٧) يُنظر: المغني (١/ ٦٧).
(٨) سبق تخريجه ص: (١٤٦).
[ ١٥١ ]
نُوقش: أن الحديث إسناده ضعيف، فلا يحتج به، ولم يصح في النهي حديث (^١).
الدليل الثالث: حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، عن النبي -ﷺ- أنه قال في الخوارج (^٢): «سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ» (^٣).
وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- جعل حلْق الرأس علامة للخوارج (^٤)، فيكره تنزيها عن مشابهتهم.
نُوقش: بأنه لا دلالة فيه على كراهة حلق الرأس، وإنما هو علامة لهم، والعلامة قد تكون بحرام، وقد تكون بمباح (^٥).
الدليل الرابع: قال عمر -﵁- لصُبَيغ (^٦) بعدما جلده على ما كان منه: «وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا لَضَرَبْتُ رَأْسَكَ» (^٧).
وجه الاستدلال: أن عمر -﵁- أدَّب صبيغًا بالجلد لما سأل عن المتشابهات، وقوله: (لضربت رأسك) يعني: لقتلتك، وإنما يقتله لو كان محلوق الرأس لأنه ظنه من الخوارج؛ فالنبي -ﷺ- جعل علامتهم التحليق (^٨).
_________________
(١) يُنظر: المجموع (١/ ٢٩٦).
(٢) الخوارج: فرقة من الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة، فالخارجي هو: «كل مَنْ خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أم كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان»، هذا تعريف الشهْرسْتَاني في كتابه: الملل والنحل (١/ ١١٤). قال د. غالب عواجي في كتابه: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها (١/ ٢٢٨) معلقًا: «هذا التعريف الراجح؛ لكثرة مَنْ مشى عليه من علماء الفرق في تعريفهم بفرقة الخوارج، وقيام حركتهم ابتداءً من خروجهم في النهروان، وهو ما يتفق أيضًا مع مفهوم الخوارج كطائفة ذات أفكار وآراء اعتقادية، أحدثت في التاريخ الإسلامي دويًّا هائلًا».
(٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم (٩/ ١٦٢) برقم: (٧٥٦٢).
(٤) يُنظر: المغني (١/ ٦٧)، المفهم (٣/ ١٢٢).
(٥) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٧/ ١٦٧).
(٦) هو: صُبَيغ بن عسل، ويُقال: صُبَيغ بن شريك من بني عسل، ابن عمرو بن يربوع بن حنظلة التميمي البصري، له إدراك، وقصته مع عمر مشهورة. يُنظر: الإصابة (٣/ ٣٧٠)، الوافي بالوفيات (١٦/ ١٦٣). ويُنظر قصته في (مجموع الفتاوى) (٤/ ٣).
(٧) أخرجه الآجُري في (الشريعة) (١/ ٤٨٢) برقم: (١٥١).
(٨) ينظر: المغني (٨/ ٥٣٠)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ٢٣٠)، مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٩٤) و(٢٨/ ٤٧٤).
[ ١٥٢ ]
سبب الخلاف:
السبب هو الاختلاف في ثبوت حديث النهي.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بإباحة حلق الرأس في غير النسك، وهو قول الجمهور.
قال ابن تيمية -﵀-: «ما جاء فيه من الكراهة فهو -والله أعلم- فيمن يعتقده قربة وشعار الصالحين، وهكذا كانت الخوارج، فأما إن حلقه على أنه مباح وإنَّ تركه أفضل، فلا» (^١).
أسباب الترجيح:
١ - أن الأصل الإباحة، ويؤكده تخيير النبي -ﷺ- بين الحلق والترك.
٢ - قوة أدلة هذا القول، وأنه لم يصح شيء عن النبي -ﷺ- في النهي عن حلق الرأس.