دليل النهي:
عن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الْحَمَّامُ حَرَامٌ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي» (^٢).
صورة المسألة:
هل يجوز للمرأة دخول الحمامات العامة لعذر أو لغير عذر؟
تحرير محل النزاع:
أولًا: محل الاتفاق:
اتفق الفقهاء (^٣) على إباحة دخول المرأة الحمام للعذر، كمرض أونفاس.
قال ابن تيمية -﵀- في كلامه عن مسألة دخول الحمام: «إن الأمور المحرمة إنما يُباح منها ما تدعو إليه الحاجة؛ ولهذا حُرمت على النساء إلا لحاجة؛ لأن المرأة كلها عورة، ولا يحل لها أن تضع ثيابها في غير بيت زوجها، … والحاجة التي تبيحها مع قيام الحاظر: المرض والنفاس؛ فإن الحمام يذهب الدرن وينفع البدن، وكذلك الحاجة إلى الغسل من جنابة أو حيض أو غيره مع تعذره في المنزل وخشية التضرر به لبرد أو غيره» (^٤).
الأدلة:
الدليل الأول: استدل الفقهاء على استثناء حالة العذر بحديث عبد الله بن
_________________
(١) الحَمَّامُ: مذكر مشتق من الحميم وهو الماء الحار، والحمام هو بيت الماء، المعد للحموم فيه بالماء الساخن؛ لتنظيف البدن والتداوي. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٩٠٧)، مختار الصحاح (ص: ٨٢)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٢/ ١٤٦)، والمراد في المسألة: الحمامات العامة، وليست حمامات البيوت.
(٢) أخرجه الحاكم، كتاب الأدب، الحمام حرام على نساء هذه الأمة (٤/ ٣٢٢) برقم: (٧٧٨٤) وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، قال الألباني بعد التحقيق في إسناد الحديث: «بهذا التحقيق نخلص إلى أن إسناد الحديث قوي، وأن مَنْ صححه من الحفاظ المتقدمين ما أبعد النُّجعة، لا سيما وله شواهد تؤيد معناه». سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧/ ١٢٩٦).
(٣) يُنظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٢)، البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩)، المجموع (٢/ ٢٠٥)، المغني (١/ ١٧٠).
(٤) شرح العمدة -كتاب الطهارة (ص: ٤٠٦).
[ ١٣٩ ]
عمرو -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إِلَّا بِالْأُزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» (^١).
الدليل الثاني: عن أم كلثوم (^٢) -﵂- قالت: «أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ فَطَلَيْتُهَا بِالنَّوْرَةِ (^٣)، ثُمَّ طَلَيْتُهَا بِالْحِنَّاءِ عَلَى إِثْرِهَا مَا بَيْنَ فَرْقِهَا إِلَى قَدَمِهَا فِي الْحَمَّامِ مِنْ حِصْنٍ (^٤) كَانَ بِهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: أَلَمْ تَكُونِي تَنْهَيِ النِّسَاءَ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي سَقِيمَةٌ، وَأَنَا أَنْهَى الْآنَ أَلَّا تَدْخُلَ امْرَأَةٌ الْحَمَّامَ إِلَّا مِنْ سَقَمٍ» (^٥).
وجه الاستدلال: أن في الحديث والأثر دليلًا على أنه لا يجوز لهن دخول الحمام إلا لعذر من: حيض، أو نفاس، أو مرض، أو حاجة إلى الغسل، ولا يمكنها أن تغتسل في بيتها؛ لتعذُّر ذلك عليها، أو خوفها من مرض، أو ضرر (^٦).
ثانيًا: محل النزاع:
اختلف الفقهاء في حكم دخول المرأة الحمامات لغير عذر، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: التحريم.
وهو مذهب المالكية (^٧)، والحنابلة (^٨).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الحمام (٦/ ١٣٠) برقم: (٤٠١١)، وابن ماجه، أبواب الأدب، باب دخول الحمام (٤/ ٦٨٢) برقم: (٣٧٤٨)، قال النووي في (المجموع) (٢/ ٢٠٤): «رواه أبو داود وابن ماجه، وفي إسناده مَنْ يضعف»، وقال الكمال بن الهمام في (فتح القدير) (٤/ ٣٩٩): «في سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهو مختلف فيه».
(٢) هي: أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، أمها حبيبة بنت خارجة، وتُوفي أبوها وهي حمل، روت عن أختها عائشة أم المؤمنين، أرسلت حديثها، فذكرها بسببه ابن السكن وابن مَنْدَه في الصّحابة، روى عنها: ابنها: إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة وجابر بن عبد الله الأنصاري، وهو أكبر منها، وطلحة بن يحيى بن طلحة وغيرهم، روى لها البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. يُنظر: تهذيب الكمال (٣٥/ ٣٨١)، الإصابة (٨/ ٤٦٧).
(٣) النورة: النورة من الحجر الذي يحرق ويسوى منه الكلس ويحلق به شعر العانة. يُنظر: لسان العرب (٥/ ٢٤٤).
(٤) حصن: لم أقف على معنى لهذه الكلمة فيما تيسر لي من كتب، والذي يظهر من سياق الأثر أنه نوع من السقم والمرض، والله أعلم. ثم وجدت الأثر في (الذخيرة) للقرافي (١٣/ ٢٦٩) بلفظ: حصب، وفي (المقدمات الممهدات) (٣/ ٤٣٧) بلفظ: حصر. فلعله مرض حصرها ومنعها من السير أو ماشابه، والله أعلم بالصواب.
(٥) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب الحمام للنساء (١/ ١٩٥) برقم: (١١٣٥).
(٦) يُنظر: المغني (١/ ١٧٠)، شرح المصابيح، لابن الملك (٥/ ٧٨).
(٧) يُنظر: التبصرة (١١/ ٥٠٣٨)، شرح ابن ناجي التنوخي (٢/ ٤٥٩)، الفواكه الدواني (٢/ ٣١١).
(٨) يُنظر: المغني (١/ ١٦٩)، مطالب أولي النهى (١/ ١٨٨).
[ ١٤٠ ]
القول الثاني: الكراهة.
وهو قول عند المالكية (^١)، ومذهب الشافعية (^٢).
القول الثالث: يُباح للمرأة دخول الحمام وإن كان لغير عذر.
وهو مذهب الحنفية (^٣).
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ» (^٤).
الدليل الثاني: عن عائشة -﵂-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمَيَازِرِ (^٥)، وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ» (^٦).
_________________
(١) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٨)، مواهب الجليل (١/ ٨١).
(٢) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ٧٢)، مغني المحتاج (١/ ٢٢٤).
(٣) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٤٨)، البحر الرائق (٨/ ٢١٩).
(٤) أخرجه الترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام (٥/ ١١٣) برقم: (٢٨٠١) وقال: «حديث حسن غريب»، والنسائي في السنن الصغرى مختصرًا، كتاب الغسل والتيمم، باب الرخصة في دخول الحمام (١/ ١٩٨) برقم: (٤٠١)، وأحمد (٢٣/ ١٩) برقم: (١٤٦٥١)، قال الحاكم في (المستدرك) (٤/ ٣٢٠): «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، قال ابن تيمية في (شرح العمدة -كتاب الطهارة) (ص: ٤٠٥): «رواه النسائي بإسناد صحيح». الحديث له شاهد من حديث أبي أيوب الأنصاري عند ابن حبان (١٢/ ٤٠٩) برقم: (٥٥٩٧). وينظر: مجمع الزوائد، للهيثمي (١/ ٢٧٧).
(٥) الْمَيَازِر: ويقال مآزر: جمع: مئزر، والإزار: هذا المعروف الذي يشد على الحقوين فيما تحتهما. والمراد ها هنا: الساتر ما بين السرة والركبة. ينظر: المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٢٠٤)، المصباح المنير (١/ ١٣)، بذل المجهود (١٢/ ٣٩).
(٦) أخرجه أبو داود، كتاب الحمام (٦/ ١٢٩) برقم: (٤٠٠٩)، والترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام (٥/ ١١٣) برقم: (٢٨٠٢) وقال: «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد ابن سلمة، وإسناده ليس بذاك القائم»، وابن ماجه، أبواب الأدب، باب دخول الحمام (٤/ ٦٨٣) برقم: (٣٧٤٩) واللفظ له، وأحمد (٤٢/ ٩) برقم: (٢٥٠٨٥)، قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (٤/ ١٢١): «قال أبو بكر بن حازم: لا يُعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه».
[ ١٤١ ]
الدليل الثالث: عن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الْحَمَّامُ حَرَامٌ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي» (^١).
الدليل الرابع: عن أبي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ (^٢) قال: دَخَلَ نِسْوَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتُنَّ؟ قُلْنَ: مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، قَالَتْ: لَعَلَّكُنَّ مِنَ الْكُورَةِ (^٣) الَّتِي تَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ؟ قُلْنَ: نَعَمْ، قَالَتْ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ (^٤) مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ -﷿-) (^٥).
وجه الاستدلال:
أن في هذه الأحاديث نهيًا للمرأة عن دخول الحمام، والنهي يفيد التحريم، وقد صُرح بالتحريم في حديث عائشة، ولأن جسد المرأة كلها عورة، ولا يجوز كشفه إلا عند
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (١٣٦).
(٢) هو: عامر بن أسامة بن عُمير الهذلي من أهل البصرة، كنيته أبو الْمَلِيح، تابعي ثقة روى عن: أبيه وعائشة وبريدة بن الحصيب وعوف بن مالك وابن عباس وعبد الله بن عمر وأبي عزة الهذلي، وعنه: أولاده عبد الرحمن ومحمد ومبشر وزياد وأيوب وخالد الْحَذَّاءُ وسالم بن أبي الجعد وأبو قلابة الجرمي وقتادة بن دعامة، روى له الجماعة، تُوفي سنة ٩٨ هـ، وقيل: سنة ١١٢ هـ. يُنظر: الثقات لابن حبان (٥/ ١٩٠)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٢٤٦).
(٣) الكُورَة: بوزن الصورة: المدينة والصقع والجمع، أو الناحية. يُنظر: الصحاح (٢/ ٨١٠)، مختار الصحاح (ص: ٢٧٥)، شرح المصابيح، لابن الملك (٥/ ٧٧).
(٤) هتكت: الهاء والتاء والكاف: أصل يدل على شق في شيء، الهتك: خرق الستر عما وراءه. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٦١٦)، مقاييس اللغة (٦/ ٣٢)، مختار الصحاح (ص: ٣٢٤)، قيل في المراد بذلك: ستر معاصي العبد وعيوبه عن إذاعتها لأهل الموقف يوم القيامة، ويُحتمل أن يُراد بالستر: ترك محاسبته عليها وترك ذِكرها، ويُحتمل أن يُراد به حجاب الحياء وجلباب الأدب؛ لأنها مأمورة بالتستر والتحفظ. يُنظر: بذل المجهود (١٢/ ٣٩)، عون المعبود وحاشية ابن القيم (١١/ ٣٢).
(٥) أخرجه أبو داود، أول كتاب الحمام (٦/ ١٢٩) برقم: (٤٠١٠) وقال: «هذا حديث جرير، وهو أتم، ولم يذكر جرير أبا المليح، قال: قال رسول الله -ﷺ-»، والترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام (٥/ ١١٤) برقم: (٢٨٠٣) وقال: «حديث حسن»، وأحمد (٤٢/ ٢٥١) برقم: (٢٥٤٠٧)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٩/ ٢٠٤): «ورواه الدارمي من حديث الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد عنها»، وقال الشوكاني في (نيل الأوطار) (١/ ٣١٨): «وهو من حديث شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبي المليح عنها، وكلهم رجال الصحيح»، وصححه الألباني في (غاية المرام) (ص: ١٣٦).
[ ١٤٢ ]
الضرورة؛ ولذلك مُنعت من أن تضع ثيابها في غير بيت زوجها، ودخولُ الحمامات مظنةُ كشف العورات، فيحرم (^١)، وخُص حال العذر بحديث عبد الله بن عمرو كما تقدم.
نُوقش من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن منع دخول النساء الحمام؛ لئلا يكون ذريعة إلى أن يدخلنه غير مؤتزرات، لا من أجل أن عليهن حرجًا وإثمًا في دخولهن إياه مؤتزرات (^٢).
وأُجيب عنه: أن النهي جاء جملة من غير تفصيل (^٣)، وحمله على دخولهن غير مؤتزرات لا دليل عليه.
الوجه الثاني: أنها إنما تكون قد هتكت سترها إذا وضعت ثيابها؛ حيث لا تأمن أن يطلع أحد من الرجال عليها مكشوفة الرأس أو الجسم، وإن أمنت أن يطلع عليها أحد من الرجال فلا حرج (^٤)، والمراد بالمنع: منعهن من الخروج، وحثهن على القرار في البيوت (^٥).
وأُجيب عنه: إنما النهي؛ لأن الحمامات مظنة التكشف والنظر في الجملة (^٦).
الوجه الثالث: إن هذا النهي إنما كان في الوقت الذي لم يكن للنساء حمام مفرد، فأما اليوم: فقد زال ذلك، فيجب أن يجوز (^٧).
يمكن أن يُجاب عنه: بأنه لا يتصور أن الحمامات في العصر الأول كانت مختلطة؛ فالأحاديث الواردة في الحمامات لم تُشِر إلى ذلك؛ فلو كانت مختلطة لأُشير إليه، ومما يؤيد وجود حمامات مفردة للنساء: دخول عائشة -﵂- الحمام حين احتاجت لها حال المرض، ويبعُد دخولها حمامًا مختلطًا.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: حديث عائشة -﵂-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنِ
_________________
(١) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ٤٠٥)، نيل الأوطار (١/ ٣١٩).
(٢) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩)، الذخيرة (١٣/ ٢٦٩).
(٣) يُنظر: التبصرة (١١/ ٥٠٣٩).
(٤) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩).
(٥) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٤٧).
(٦) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ٤٠٥).
(٧) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩)، الذخيرة (١٣/ ٢٦٩).
[ ١٤٣ ]
الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمَيَازِرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ» (^١).
وجه الاستدلال: أنه لم يرُخص للنساء حمايةً للذرائع في دخولهن بغير ميازر، فيكون دخولهن مئتزرات مكروهًا غير محرم (^٢).
نُوقش: أن النهي جاء جملة من غير تفصيل (^٣)، وحمله على دخولهن غير مؤتزرات لا دليل عليه.
الدليل الثاني: حديث عائشة -﵂- قالت: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ -﷿-) (^٤).
وجه الاستدلال: أن المرأة إنما تكون قد هتكت سترها إذا وضعت ثيابها حيث لا تأمن أن يطلع أحد، وإن أمنت أن يطلع عليها أحد، فيُكره ولا يحرم (^٥).
نُوقش: إنما النهي؛ لأن الحمامات مظنة التكشف والنظر في الجملة (^٦).
الدليل الثالث: عن أم كلثوم قالت: «أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ فَطَلَيْتُهَا بِالنَّوْرَةِ، ثُمَّ طَلَيْتُهَا بِالْحِنَّاءِ عَلَى إِثْرِهَا مَا بَيْنَ فَرْقِهَا إِلَى قَدَمِهَا فِي الْحَمَّامِ مِنْ حِصْنٍ كَانَ بِهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: أَلَمْ تَكُونِي تَنْهَيِ النِّسَاءَ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي سَقِيمَةٌ، وَأَنَا أَنْهَى الْآنَ أَلَّا تَدْخُلَ امْرَأَةٌ الْحَمَّامَ إِلَّا مِنْ سَقَمٍ» (^٧).
وجه الاستدلال: أنه يُستدل بقول عائشة وفِعلها على أنها كرهت للنساء دخول الحمامات مستترات من غير تحريم، وكانت تنهى عن ذلك، ولم ترخص لهن فيه إلا من مرض، ولو كان عليهن حرامًا لما جاز في المرض، فهو لهن مع المرض جائز، ومع الصحة مكروه إذا كُنْ مستترات مؤتزرات (^٨).
الدليل الرابع: أن أَمْر النساء مبني على المبالغة في التستر، ولما في وضْع ثيابهن في
_________________
(١) سبق تخريجه: ص (١٣٨).
(٢) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩)، المقدمات الممهدات (٣/ ٤٣٦).
(٣) يُنظر: التبصرة (١١/ ٥٠٣٩).
(٤) سبق تخريجه: ص (١٣٩).
(٥) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٩).
(٦) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ٤٠٥).
(٧) سبق تخريجه: ص (١٣٧).
(٨) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٨١).
[ ١٤٤ ]
غير بيوتهن من الهتك، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر (^١)، فيُكره دخولهن الحمامات.
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول: أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى الرجل باعتبار المجانسة وانعدام الشهوة غالبًا (^٢)، فدل ذلك على إباحة دخولها الحمام مع النساء.
نُوقش: بأنه لا يسلم بذلك؛ فإن المرأة ليست كالرجل؛ لأن جميع بدنها عورة، ونظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى ذوات محارمه (^٣).
الدليل الثاني: أن العُرف الظاهر في جميع البلدان ببناء الحمامات للنساء وتمكينهن من دخول الحمامات (^٤)، وهذا دليل على الإباحة؛ فالعرف الظاهر بين الناس حجة (^٥).
يمكن أن يُناقش: بأن العادة تُعتبر عند عدم النص (^٦)، والعادة التي تكون على خلاف النص فهي فاسدة لا تُعتبر (^٧)، وقد ورد النص بالنهي، فوجب العمل به.
الدليل الثالث: أن حاجة النساء إلى دخول الحمامات فوق حاجة الرجال؛ لأن المقصود تحصيل الزينة، والمرأة إلى هذا أحوج من الرجل (^٨)، فيُباح دخولها للحاجة.
يمكن أن يُناقش: بأن التعليل في معارضة النص أو فيما يبطل حكم النص، باطل بالاتفاق (^٩).
سبب الخلاف: الخلاف في هذه المسألة مبني على أمرين:
_________________
(١) يُنظر: تبيين الحقائق (٥/ ١٢٣)، المجموع (٢/ ٢٠٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٢٤).
(٢) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٤٧)، البحر الرائق (٨/ ٢١٩).
(٣) يُنظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٤٨).
(٤) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٤٨)، البحر الرائق (٨/ ٢١٩).
(٥) يُنظر: موسوعة القواعد الفقهية (٧/ ٤٠٠).
(٦) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٢/ ٢١٥).
(٧) يُنظر: تيسير علم أصول الفقه (ص: ٢١٢).
(٨) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٤٨)، تبيين الحقائق (٥/ ١٢٣).
(٩) يُنظر: أصول السرخسي (٢/ ١٦١).
[ ١٤٥ ]
١ - اختلاف الفقهاء في معنى النهي الوارد في المسألة: هل هو لحث المرأة على القرار في البيت أو لأنه مظنة التكشف؟
٢ - الخلاف في مسألة حد عورة المرأة مع المرأة.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم دخول المرأة الحمام لغير عذر.
قال ابن تيمية -﵀-: «إن الأمور المحرمة إنما يُباح منها ما تدعو إليه الحاجة؛ ولهذا حُرمت على النساء إلا لحاجة» (^١).
أسباب الترجيح:
١ - تضافر أدلة النهي، وأن الأصل في النهي: التحريم.
٢ - أن المرأة في الإسلام شأنُها الستر والحياء والتحفظ عن كشف العورات، فهذا القول فيه الاحتياط صيانةً للمرأة.
٣ - ضعف أدلة الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليه.