دليل النهي:
عن الحكم بن عمرو -﵁- وهو الأقرع (^٢): «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» (^٣).
صورة المسألة:
للرجل في استعمال فضل طهور المرأة حالان، أحدهما: حال اجتماعهما، والثاني: إن خلت المرأة بالماء. فما حكم استعمال الرجل فضل طهور المرأة في هذه الأحوال؟
تحرير محل النزاع:
أولًا: محل الإجماع:
أجمع العلماء (^٤) على جواز اجتماع الرجل والمرأة على الوضوء أو الاغتسال من إناء واحد مشترك بينهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «هذه السنن الثابتة عن النبي -ﷺ- وأصحابه الذين
_________________
(١) الفَضْلُ: هو بقية الشيء، والفَضْلَةُ والفُضالَةُ: ما فضل من شيء. وفضل طهور المرأة هو: الماء المتبقي في الإناء بعد ما شرعت المرأة في وضوئها أو غسلها. يُنظر: الصحاح (٥/ ١٧٩١)، المجموع (٢/ ١٩٠)، تحفة المحتاج (١/ ٧٧)، تاج العروس (٣٠/ ١٧٢). ويؤيد معنى أن الفضل هو ما تبقى في الإناء: ما جاء في حديث ميمونة -﵂- سيرد في الأدلة- قولها: (من جفنة، ففضلت فيها فضلة).
(٢) هو: الحكم بن عمرو الغفاري أخو رافع، ويُقال له: الحكم بن الأقرع، صحب النبي -ﷺ- حتى مات، ثم تحول إلى البصرة فنزلها، روى عنه: أبو الشعثاء والحسن البصري وابن سيرين، ولاه زياد خراسان فسكن مرو ومات بها سنة ٥٠ هـ. يُنظر: أسد الغابة (٢/ ٥١)، تهذيب التهذيب (٢/ ٤٣٦).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك (١/ ٦١) برقم: (٨٢)، والترمذي، أبواب الطهارة، باب في كراهية فضل طهور المرأة (١/ ٩٣) برقم: (٦٤) وقال: «هذا حديث حسن»، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب المياه، باب النهي عن فضل وضوء المرأة (١/ ١٧٩) برقم: (٣٤٣)، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب النهي عن ذلك (١/ ٢٤٣) برقم: (٣٧٣)، وأحمد (٣٤/ ٢٥٤) برقم: (٢٠٦٥٧)، قال ابن عبد البر في (الاستذكار) (١/ ١٧٠): «الآثار في هذا الباب مضطربة، ولا تقوم بها حجة». وقال النووي في (المنهاج) (٤/ ٣): «ضعيف ضعَّفه أئمة الحديث»، ونقل في (خلاصة الأحكام) (١/ ٢٠٠) عن البخاري قوله: «حديث الحكم ليس بصحيح، قال: والصحيح في حديث ابن سرجس أنه موقوف عليه، ومن رفعه فقد أخطأ»، والله أعلم.
(٤) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٥١).
[ ٦٨ ]
كانوا بمدينته على عهده دلت على أمور: أحدها: هو اشتراك الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد وإن كان كل منهما يغتسل بسؤر الآخر، وهذا مما اتفق أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم على أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤوا واغتسلوا من ماء واحد جاز كما ثبت ذلك بالسنن الصحيحة المستفيضة» (^١).
أدلة الإجماع:
الدليل الأول: عن أنس بن مالك -﵁- قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِإِنَاءٍ وَهُوَ بالزَّوْرَاء (^٢)، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ» (^٣).
الدليل الثاني: عن عائشة -﵂- قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلَانَا جُنُبٌ» (^٤).
الدليل الثالث: عن ابن عمر -﵄- أنه قال: «كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- جَمِيعًا» (^٥).
وجه الاستدلال: أن الأحاديث ظاهرة الدلالة على جواز اجتماع الرجل والمرأة للتطهر من إناء واحد، فإذا اجتمعا فقد اغتسل كل واحد منهما بفضل صاحبه (^٦).
ثانيًا: محل النزاع:
اختلف الفقهاء في استعمال الرجل فضل طهور المرأة إن خلت به (^٧)، على ثلاثة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٠).
(٢) الزَّوْرَاءُ -بتقديم الزاي على الراء، وبالمد-: مكان معروف بالمدينة عند السوق، قرب المسجد، يُنظر: معجم البلدان (٣/ ١٥٦)، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع (٢/ ٦٧٤).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٤/ ١٩٢) برقم: (٣٥٧٢).
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض (١/ ٦٧) برقم: (٢٩٩)، ومسلم، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء فِي غسل الجنابة وغسل الرجل والمرأة فِي إناء واحد (١/ ٢٥٦) برقم: (٣٢١).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة (١/ ٥٠) برقم: (١٩٣).
(٦) يُنظر: مختصر المزني (٨/ ٩٨)، الحاوي الكبير (١/ ٢٢٩)، المغني (١/ ١٥٨).
(٧) خلوة المرأة بالماء: الخلوة في اللغة من: خلا الشيء يخلو خلوا، وخَلَوْتُ به خَلْوَةً وخَلاءً، خلا إليه: اجتمع معه في خلوة. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٣٣٠)، مختار الصحاح (ص: ٩٦). اختلف الفقهاء في المراد بالخلوة، على قولين: الأول: انفرادها بالاستعمال، سواء شوهدت أم لا، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن أحمد. الثاني: أن تخلو به فلا يشاهدها مميز، سواء كان ذكرًا أم أنثى، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة. يُنظر: شرح معاني الآثار (١/ ٢٦)، المجموع (٢/ ١٩١)، شرح الزركشي (١/ ٢٩٨)، المبدع (١/ ٣٥).
[ ٦٩ ]
أقوال:
القول الأول: يجوز التطهر بفضل طهور المرأة للرجال والنساء، سواءٌ خلت به أم لا.
وهو مذهب الجمهور: الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٤).
القول الثاني: لا يجوز للرجل استعمال فضل طهور المرأة إن خلت به.
وهو المذهب عند الحنابلة (^٥).
القول الثالث: يُكره للرجل استعمال فضل طهور المرأة إن خلت به.
قال به بعض الشافعية (^٦)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٧).
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن ابن عباس: -﵄- «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» (^٨).
وجه الاستدلال: أن فعله -ﷺ- دليل صريح على جواز استعمال الرجل فضل طهور المرأة.
نُوقش: بأنه محمول على أنها لم تخلُ به (^٩).
أُجيب عنه: بأنه قد ورد في روايات أخرى عن ميمونة -﵂- ما يدل على أنها خلت به (^١٠)، وبيانه في الدليل الآتي.
_________________
(١) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٦١)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٣٣).
(٢) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٩)، بداية المجتهد (١/ ٣٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٢، ١٣٣).
(٣) يُنظر: العزيز بشرح الوجيز (٢/ ١٥١)، المجموع (٢/ ١٩٠).
(٤) يُنظر: المغني (١/ ١٥٧)، الشرح الكبير (١/ ٨٣)، الإنصاف (١/ ٨٥).
(٥) يُنظر: شرح الزركشي (١/ ٣٠١)، المبدع (١/ ٣٥)، كشاف القناع (١/ ٣٦).
(٦) يُنظر: تحفة المحتاج (١/ ٧٧).
(٧) يُنظر: المبدع (١/ ٣٥)، الإنصاف (١/ ٨٦).
(٨) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاغتسال بفضل المرأة (١/ ٢٥٧) برقم: (٣٢٣).
(٩) يُنظر: شرح الزركشي (١/ ٢٩٨)، كشاف القناع (١/ ٣٧).
(١٠) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٩)، شرح الإلمام (١/ ٣٠٧)، المبدع (١/ ٣٥).
[ ٧٠ ]
الدليل الثاني: عن ميمونة -﵂- قالت: «أَجْنَبْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ (^١)، فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ اغْتَسَلْتُ مِنْهَا، قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ -أَوْ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ- فَاغْتَسَلَ مِنْهُ» (^٢).
وجه الاستدلال: أن الحديث صحيح صريح في الدلالة، ظاهر في الخلوة (^٣)، وقد دل فِعل النبي -ﷺ- وجوابه على جواز استعمال الرجل فضل المرأة وإن خلت به، وأنه لا تأثير للخلوة.
نُوقش: بأنه يُحمل على عدم الخلوة (^٤).
أُجيب عنه: بأنه لا يصح حمله على عدم الخلوة؛ فالحديث ظاهر في الخلوة (^٥)؛ لأن العادة أن الإنسان يقصد الخلوة في الاغتسال، ولأن ميمونة -﵂- ذكرت أنها اغتسلت، فجاء النبي -ﷺ- بعدها، فأعلمته بأنها اغتسلت من الجفنة.
الدليل الثالث: أنه ثبت بالإجماع جواز اشتراك الرجل والمرأة في الاغتسال من إناء واحد وإن كان كل منهما يغتسل بسؤر الآخر، فإذا ثبت اغتسالهما معًا فكل واحد مستعمل فضل الآخر، فجاز لأحدهما بعد الآخر، ولا تأثير للخلوة (^٦).
قال الطحاوي (^٧) -﵀-: «أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معًا من إناء واحد أن
_________________
(١) الجَفْنَةُ: الجفنة كالقصعة، وهي جفنة الطعام، والجمع: الجفان والجفنات بالتحريك. يُنظر: الصحاح (٥/ ٢٠٩٢)، مجمل اللغة (ص: ١٩٢)، مختار الصحاح (ص: ٥٩).
(٢) أخرجه الترمذي، أبواب الطهارة، باب الرخصة في ذلك (١/ ٩٤) برقم: (٦٥) وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الرخصة بفضل وضوء المرأة (١/ ٢٤١) برقم: (٣٧٠)، وأحمد (٤٤/ ٣٨٦) برقم: (٢٦٨٠٢) واللفظ له، وللحديث شواهد؛ فحديث اغتسال النبي -ﷺ- بفضل ميمونة في صحيح مسلم سبق تخريجه قريبًا، ومن شواهده حديث ابن عباس في مسند أحمد برقم: (٢١٠٢)، صححه ابن حبان برقم: (١٢٤٢).
(٣) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٩)، المجموع (٢/ ١٩١)، المبدع (١/ ٣٥).
(٤) يُنظر: المغني (١/ ١٥٨)، شرح الزركشي (١/ ٣٠٣).
(٥) يُنظر: المبدع (١/ ٣٥).
(٦) يُنظر: التمهيد (١٤/ ١٦٤)، المجموع (٢/ ١٩١)، إحكام الأحكام (١/ ١٣٢)، المبدع (١/ ٣٥).
(٧) هو: أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزديّ الطحاوي، كنيته أبو جعفر، وُلد سنة ٢٣٩ هـ، ونشأ في (طحا) من صعيد مصر، وتفقَّه على مذهب الشافعيّ، ثم تحول حنفيًا، انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر. من تصانيفه: «شرح معاني الآثار»، «بيان السنّة»، «مشكل الآثار»، «أحكام القرآن» وغيرها، تُوفي سنة ٣٢١ هـ. يُنظر: وفيات الأعيان (١/ ٧١)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧)، الفوائد البهية (ص: ٣١).
[ ٧١ ]
ذلك لا ينجس الماء، ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضؤ منه أن حكم ذلك سواء، فلما كان ذلك كذلك، وكان وضوء كل واحد من الرجل والمرأة مع صاحبه لا ينجس الماء عليه -كان وضوؤه بعده من سؤره -من النظر- أيضًا كذلك» (^١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن الحكم بن عمرو -﵁- وهو الأقرع: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» (^٢).
وجه الاستدلال: أن ظاهر النهي يدل على منع الرجل استعمال فضل طهور المرأة (^٣)، والأصل في النهي التحريم إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة.
نُوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، فلا يصح النهي (^٤).
وأُجيب عنه: بأن رواية الإمام أحمد -﵀- للحديث واحتجاجه به، يُقدم على التضعيف؛ لاحتمال أن يكون قد رُوي من وجه آخر صحيح خفي على مَنْ ضعفه (^٥).
الوجه الثاني: أن دلالة الحديث غير صريحة على أن المرأة إذا خلت بالماء لا يجوز للرجل استعماله.
وأُجيب: بأنه يُحمل على ما إذا خلت به؛ جمعًا بين الأحاديث (^٦).
الدليل الثاني: عن حُمَيْدِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ (^٧) قال: لقيت رجلًا قد صحب
_________________
(١) شرح معاني الآثار (١/ ٢٦).
(٢) سبق تخريجه: ص (٦٥).
(٣) يُنظر: المغني (١/ ١٥٧)، شرح الزركشي (١/ ٣٠١).
(٤) يُنظر: المجموع (٢/ ١٩١)، تحفة المحتاج (١/ ٧٧).
(٥) يُنظر: المغني (١/ ١٥٨).
(٦) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٣٧).
(٧) هو: حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيّ، تابعي ثقة، يروي عن: أبي هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبي بكر الثقفي، وابن عمر، روى عنه: محمد بن سيرين، وأَبُو التَّيَّاح يزيد بن حميد، وداود بن عبد الله الْأَوْدِيّ، ومحمد بن المنتشر، قال ابن سيرين: «كان حميد بن عبد الرحمن أفقه أهل البصرة قبل موته بعشر سنين». يُنظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد (٧/ ١٤٧)، تجريد الأسماء والكنى المذكورة في كتاب المتفق والمفترق (١/ ١٥٦)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٣).
[ ٧٢ ]
النبي -ﷺ- أربع سنين كما صحبه أبو هريرة أربع سنين، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، أَوِ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا» (^١).
وجه الاستدلال: أن الحديث ظاهر في نهي الرجل عن فضل طهور المرأة، وهو محمول على ما خلت به؛ جمعًا بين الأحاديث (^٢)، والأصل في النهي التحريم.
نُوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف؛ لجهالة الصحابي، فهو بمعنى المرسل (^٣).
وأُجيب عنه: بأن دعوى أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن جهالة عين الصحابي لا تضر؛ فالصحابة كلهم عدول، وقد صرح التابعي بأنه لقيه (^٤).
الوجه الثاني: بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في الإباحة (^٥).
وأُجيب عنه: بأنه ليس مخالفًا للأحاديث الصحيحة، بل يُحمل على أن المراد ما سقط من أعضائهما، جمعًا بين الأحاديث (^٦).
ويمكن أن يُعترض عليه: بأن حمله على ما تساقط من أعضائهما تأويل بعيد؛ فالمتساقط من الأعضاء لا يتبادر للذهن عند إطلاق لفظ فضل الطهور، وفضل الماء في اللغة: هو ما تبقى في الإناء، والعرب تقول لبقية الماء في المزادة: فضلة (^٧).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك (١/ ٦٠) برقم: (٨١)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، باب النهي عن الاغتسال بفضل الجنب (١/ ١٣٠) برقم: (٢٣٨) واللفظ له، صحح إسناده النووي في (المجموع) (٢/ ١٩١) ونقل عن البيهقي تضعيفه وأجاب عنه، وقال ابن حجر في (فتح الباري) (١/ ٣٠٠): «رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية».
(٢) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٣٦).
(٣) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٢٣١)، المجموع (٢/ ١٩٢).
(٤) يُنظر: المجموع (٢/ ١٩٢)، فتح الباري (١/ ٣٠٠).
(٥) يُنظر: المجموع (٢/ ١٩٢) نقلًا عن البيهقي.
(٦) يُنظر: معالم السنن (١/ ٤٢)، الحاوي الكبير (١/ ٢٣٢)، المجموع (٢/ ١٩٢).
(٧) يُنظر: لسان العرب (١١/ ٥٢٦).
[ ٧٣ ]
وأيضًا لم يثبت عن النبي -ﷺ- الأمر بجمع المتساقط ولا باستعماله (^١).
الدليل الثالث: عن عبد الله بن سَرْجِسَ (^٢) -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَلَكِنْ يَشْرَعَانِ جَمِيعًا» (^٣)، ودليل التخصيص بما خلت به: ما رُوي عن عبد الله بن سرجس -﵁- قال: «لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْهُ» (^٤).
وجه الدلالة: أن الحديث ظاهر في المنع من فضل طهور المرأة، ويدل قول عبد الله بن سرجس على تخصيص المنع بما خلت به المرأة (^٥).
نُوقش: بأن الحديث موقوف، ولا يصح رفعه إلى النبي -ﷺ- (^٦).
وحديثي حميد وابن سرجس ورد فيهما نهي المرأة عن فضل الرجل، ولم يقل به أحد!.
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بالكراهة بأدلة النهي التي استدل بها القائلون بالتحريم، وحملوا النهي على الكراهة للقرينة الصارفة، وهي أدلة القائلين بالجواز؛ جمعًا بين الأدلة (^٧).
نُوقش: بأن أحاديث النهي مضطربة، وأحاديث الإباحة أصح، فالقول بها أولى.
قال ابن عبد البر -﵀-: «الآثار في الكراهية في هذا الباب مضطربة لا تقوم بها حجة،
_________________
(١) نقل النووي في (المجموع) (١/ ١٥٤) عن إمام الحرمين قوله: «أن النبي -ﷺ- وأصحابه -﵃- احتاجوا في مواطن من أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى».
(٢) هو: عبد الله بن سَرْجِس المزني، حلف في بني مخزوم، أكل مع النبي خبزًا ولحمًا، واستغفر له، عداده في البصريين، روى عنه عاصم الأحول، تُوفي بالبصرة سنة نَيِّفٍ وثمانين للهجرة. يُنظر: أسد الغابة (٣/ ٢٥٧)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٣٤)، الإصابة (٤/ ٩٢).
(٣) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب النهي عن ذلك برقم: (٣٧٤)، (١/ ٢٤٤) وقال: «هذا وهم، والصحيح حديث الحكم بن عمرو»، قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ٥٦): «قال البيهقي في السنن الكبرى: بلغني عن أبي عيسى الترمذي عن البخاري أنه قال حديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب الصحيح موقوفًا ومَن رفعه فقد أخطأ».
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٠٧) برقم: (٣٨٥)، وهو حديث موقوف، انفرد به المصنف من هذا الطريق.
(٥) يُنظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ١١٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٨).
(٦) يُنظر: معالم السنن (١/ ٤٢).
(٧) يُنظر: الشرح الكبير (١/ ٨٤)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٠٠).
[ ٧٤ ]
والآثار الصحاح هي الواردة بالإباحة … كلهم يقول: إن الرجال كانوا يتطهرون مع النساء جميعًا من إناء واحد، وأن عائشة كانت تفعل ذلك وميمونة وغيرهما من أزواجه -ﷺ-، وعلى ذلك جماعة أئمة الفتوى، وقد رُوي عن بن عباس أنه سُئل عن فضل وضوء المرأة فقال: «هن ألطف بنانًا وأطيب ريحًا» (^١)، وهذا منه جواب بجواز فضلها على كل حال» (^٢).
سبب الاختلاف: قال القرطبي -﵀-: «سبب هذا الاختلاف: اختلافهم في تصحيح أحاديث النهي الواردة في ذلك، ومَن صححوها اختلفوا أيضًا في الأرجح منها، أو مما يعارضها، كحديث ميمونة أنه -﵊-: كان يغتسل بفضلها، وكحديث ابن عباس الذي خرَّجه الترمذي وصححه» (^٣).
الترجيح:
بعد عرض أدلة الأقوال ومناقشتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة، وهو قول الجمهور.
قال الإمام مالك -﵀- في اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة: «… ولا خير في هذا التقزز والتنجس، إنما هو من الشيطان» (^٤).
أسباب الترجيح:
١ - قوة الأدلة التي استدل بها الجمهور وصحتها وصراحتها في الدلالة.
٢ - اضطراب أدلة المانعين، وورود المناقشات عليها.
نقل ابن حجر -﵀- في (الفتح) عن الامام أحمد -﵀- قوله: «إن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة وفي جواز ذلك، مضطربة» (^٥).