الذي يظهر أن أصحاب القول الثاني حملوا النهي على الكراهة؛ بدليل القرائن التالية:
القرينة الأولى: الإجماع.
قال النووي -﵀-: «إن قيل: لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه؟ قلنا: للإجماع، فلا نعلم مَنْ يُعتد به حرّمه، والله أعلم» (^١).
القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.
قال النووي: «… وفي بيت المقدس نهي تنزيه» (^٢).
وجاء في (بذل المجهود): «وهو نهي تنزيه لا تحريم اتفاقًا» (^٣).
والعلة: تعظيم حُرمة بيت المقدس؛ إذ كان قِبلةً للمسلمين مرةً.
الحكم على القرينة:
قرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة، لكن دعوى الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس عند التخلِّي، دعوى فيها نظر؛ لوجود المخالف، فلا تقوم مقام الصارف المعتبر.
وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد معتبرة، تصرف النهي من التحريم إلى
_________________
(١) المجموع (٢/ ٨١).
(٢) المجموع (٢/ ٨١).
(٣) في حل سنن أبي داود (١/ ١٩٩).
[ ١٢٣ ]
الكراهة، لكن ضَعْف دليل النهي أضعفَ القول بالكراهة، ولأنها كانت قبلةً، ثم نسخت، فلم يبق في الشريعة مايوجب تخصيصها بحكم. وبضعف القرائن وعدم اعتبارها يقوى القول بعدم الكراهة؛ لثبوت الجواز بدليل صحيح ثابت دال على استقبال النبي -ﷺ- لبيت المقدس عند قضاء الحاجة، وهو حديث ابن عمر -﵁-، والله أعلم.
[ ١٢٤ ]