الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم، القرائن التالية:
القرينة الأولى: المقصد من النهي.
ذلك أن الحكمة من النهي عن الاستنجاء باليمين: إكرام اليمين وتشريفها وصيانتها عن كل قذر.
وأكثر العلماء متفقون على هذا المعنى: فعن عائشة -﵂- قالت: «كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى» (^٢).
قال النووي -﵀-: «إن في النهي عن الاستنجاء باليمين تنبيهًا على إكرامها وصيانتها عن الأقذار» (^٣).
القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.
قال ابن بطال -﵀- (^٤): «أما الاستنجاء باليمين: فمذهب مالك، وأكثر الفقهاء أن مَنْ فعل ذلك فبئس ما فعل، ولا شيء عليه لأن النهى عن الاستنجاء باليمين من باب الأدب، … فينبغي التأدب بأدب النبي -ﷺ- وسلف الصحابة، وتنزيه اليمنى عن استعمالها في الأقذار ومواضعها» (^٥).
_________________
(١) سنن الترمذي (١/ ٢٣).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كراهية مس الذَّكَر باليمين في الاستبراء (١/ ٢٦) برقم: (٣٣)، وأحمد (٤٣/ ٣١٧) برقم: (٢٦٢٨٣)، قال النووي في (رياض الصالحين) (ص: ٢٤٢): «حديث صحيح: رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح»، وقال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٣٧١): «قال الدوري: قال ابن معين: لم يسمع إبراهيم من عائشة، ومراسيله صحيحة»، وقال ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٣٢٢): «له شاهد من حديث حفصة رواه أبو داود وأحمد وابن حبان والحاكم».
(٣) المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٦).
(٤) هو: علي بن خَلف بن بطّال البكري القرطبي، ثم البلنسي، أبو الحسن ويعرف بابن اللّجام، كان من كبار المالكية، من أهل العلم والمعرفة، عُني بالحديث العناية التامة، له مؤلف «شرح البخاري» في عدة أسفار، تُوفي سنة ٤٤٩ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٠٣)، الديباج المذهب (٢/ ١٠٥)، شذرات الذهب (٥/ ٢١٤).
(٥) شرح صحيح البخاري (١/ ٢٤٤)، ويُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٦).
[ ١٢٦ ]
وقال النووي -﵀-: «الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «نهيُه عن الاستنجاء باليمين في قول أكثر العلماء نهيُ تأديب وتنزيه، وذلك أن اليمين مرصدة في أدب السنة للأكل والشرب والأخذ والإعطاء، ومصونة عن مباشرة السفل والمغابن، وعن مماسَّة الأعضاء التي هي مجاري الأثْفَال والنجاسات، وامتُهنت اليسرى في خدمة أسافل البدن؛ لإماطة ما هنالك من القذارات، وتنظيف ما يحدث فيها من الدنس والشعث» (^٢).
الحكم على القرينة:
قرينةُ ورود النهي في باب الأدب والإرشاد وفي معناها قرينةُ المقصد من النهي، قرائن معتبرة باتفاق الفقهاء، صرفت النهي عن مقتضاه -وهو التحريم- إلى الكراهة؛ لمناسبة معنى التكريم لليمين للآداب، والله أعلم.
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٦).
(٢) معالم السنن (١/ ١١).
[ ١٢٧ ]