تبين فيما سبق أن بعض الفقهاء حمل النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له عن التحريم: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.
ذلك أن النهي فيه إرشاد إلى آداب قضاء الحاجة، والمحافظة على نظافة الأماكن التي يحتاج إليها الناس.
قال المَنَاوِيُّ -﵀- (^٣) في (فيض القدير): «الأصح عند الشافعي الكراهة التنزيهية» (^٤)، وقال أيضًا: «اقتصر جمهورهم على عدِّه من الآداب، وحملوا الأحاديث على الكراهة» (^٥).
قال النووي -﵀- في (المجموع): «هذا الأدب -وهو اتقاء الملاعن الثلاث- متفق عليه، وظاهر كلام المصنف والأصحاب أن فِعل هذه الملاعن أو بعضها مكروه كراهة تنزيه» (^٦).
والعلة: أن خوف إيذاء المسلمين به، محتمل غير متحقق، فلذلك يُكره.
_________________
(١) يُنظر: فيض القدير (١/ ١٣٦).
(٢) (١/ ٥٢٤).
(٣) هو: محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المُنَاوِي القاهري، الشافعي، زين الدين، وُلد سنة ٩٥٢ هـ، كان من كبار العلماء بالدين والفنون، له نحو ثمانين مصنفًا، منها: «كنوز الحقائق»، «التيسير في شرح الجامع الصغير» اختصره من شرحه الكبير «فيض القدير»، «شرح الشمائل للترمذي» وغيرها، تُوفي بمصر سنة ١٠٣١ هـ. يُنظر: فهرس الفهارس (٢/ ٥٦٠)، الأعلام، للزركلي (٦/ ٢٠٤).
(٤) (١/ ١٣٥).
(٥) (١/ ١٣٦).
(٦) (٢/ ٨٧).
[ ١٠٤ ]
جاء في (حاشية الجمل): «… مكروه: أي: كراهة تنزيه، وهو المعتمد، وقوله: (لما فيه من إيذاء المسلمين) دُفع بأنه غير محقق» (^١).
الحكم على القرينة:
قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، يُصرف بها النهي عن التحريم، والذي يظهر هنا أنها قرينة ضعيفة في مقابل اعتضاد الأصل -وهو التحريم- بقرائن مؤكِّدة له:
- القرينة النصية في الآية التي جاءت بالوعيد لمَن آذى المسلمين.
- أن هذا الفعل يجلب لعن الناس على فاعله.
- القاعدة الفقهية: لا ضرر ولا ضرار (^٢).
ولأجل ذلك كان القول بتحريم قضاء الحاجة في طريق الناس وظِلِّهم أقوى، والله أعلم.
_________________
(١) (١/ ٩٠).
(٢) وهي إحدى القواعد الكلية الكبرى. يُنظر: الأشباه والنظائر، للسبكي (١/ ٤١)، الأشباه والنظائر، لابن الملقن (١/ ٣٠)، الأشباه والنظائر، للسيوطي (ص: ٧)، موسوعة القواعد الفقهية (١/ ١/ ٣٢).
[ ١٠٥ ]