النجاسة: ضد الطهارة، والنَّجِسُ ضد الطاهر، والأنجاس جمع نَجَس: اسم لعين مستقذرة شرعًا، ويطلق على الحكمي والحقيقي، ويختص الخبث بالحقيقي، ويختص الحدث بالحكمي، والنَّجَسُ بفتح الجيم: اسم، وبكسرها صفة.
وتنقسم النجاسة إلى قسمين: حقيقية، وحكمية.
أ النجاسة الحقيقية لغة: العين المستقذرة، كالدم والبول والغائط.
وشرعًا: مستقذرة يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص.
ب والنجاسة الحكمية: أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص، ويشمل (الحدث الأصغر) الذي يزول بالوضوء، و(الحدث الأكبر: الجنابة) الذي يزول بالغسل.
والنجاسة الحقيقية أنواع: إما مغلظة أو مخففة، وإما جامدة أو مائعة، وإما مرئية أو غير مرئية (^١).
_________________
(١) مراقي الفلاح (١/ ١٨٥)، الفقه الإسلامي (١/ ١٤٩).
[ ٤٢ ]
وأما حكم إزالة النجاسة غير المعفو عنها عن الثوب والبدن والمكان للمصلي: فهو واجب عند الأئمة الأربعة (^١)، لقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّر) [سورة المدثر: ٤].
فإن صلى المرء بالنجاسة عامدًا قادرًا على إزالتها، أعاد صلاته أبدًا، وجوبًا لبطلانها.
أنواع النجاسات المتفق عليها بين الأئمة الأربعة:
الأول: لحم الخنزير: وإن كان بذبحه شرعًا (^٢). لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ) [سورة المائدة: ٣].
الثاني: الدم: دم الآدمي غير الشهيد، ودم الحيوان غير المائي، الذي انفصل منه حيًا أو ميتًا، إذا كان مسفوحًا (جاريًا) كثيرًا (^٣).
_________________
(١) وهناك قول ثاني للمالكية بالسنية، إلا أن فروع المذهب قالوا بالوجوب، فيتفق مع الأئمة بالوجوب. انظر القوانين الفقهية ص (٢٧).
(٢) الفقه الإسلامي (١/ ١٥٠)، مراقي الفلاح (١/ ١٨٦)، اللباب (٣/ ١٢٣) و(١/ ٥٥) الهداية (١/ ٣٧) و(٤/ ٣٥٢)، رد المحتار والدر المختار (١/ ٢١٢) و(٥/ ١٩٥) شرح فتح القدير (١/ ١٧٧)، منهاج الطالبين ص (١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٣٧) بداية المجتهد (١/ ١١٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٧)، منار السبيل (٢/ ٤١٠)، الروض المربع ص (٥٠ - ٥٢١).
(٣) المراجع السابقة نفسها.
[ ٤٣ ]
فيخرج دم الشهيد ما دام عليه، ودم السمك ودم الكبد والطحال والقلب، وما يبقى من عروق الحيوان بعد الذبح ما لم يسل، ودم القمل والبرغوث والبق.
والدليل على نجاسة دم الآدمي، ودم الحيوان غير المائي قوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [سورة الأنعام: ١٤٥].
الثالث: بول الآدمي وقيئته وغائطه (^١):
ولا فرق في كون الآدمي صغيرًا أو كبيرًا، أكل الطعام بعد أم لم يأكل، ذكرًا كان أو أنثى، وكذلك بول الحيوان غير المأكول اللحم وغائطه وقيئه.
الدليل على نجاسة بول الآدمي: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي ﷺ: (دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ) (^٢).
_________________
(١) الفقه الإسلامي (١/ ١٥١)، مراقي الفلاح (١/ ١٨٧)، الهداية (١/ ١٨٧)، الهداية (١/ ٣٧)، اللباب (١/ ٥٥) منهاج الطالبين ص (١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٤٢)، بداية المجتهد (١/ ١١٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٨)، منار السبيل (١/ ٥٣)، الروض المربع ص (١٨)، المقدمة الحضرمية ص (٤٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢١٧) والترمذي (١٤٧).
[ ٤٤ ]
والدليل على نجاسة قيء الآدمي وغائطه: حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَذْيٌ، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ) (^١).
وعن صفوان بن عسال ﵁ قال: (كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا ألا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أيامٍ ولياليهِنَّ إلا من جنابةٍ، لكنْ منْ غائطٍ وبولٍ ونومٍ) (^٢).
والدليل على نجاسة بول الحيوان غير المأكول اللحم: حديث ابن مسعود ﵁، قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن أتيهُ بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد، فأخذت روثه فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة (^٣)، وقال: (هذه رِكْس) (^٤).
الرابع: الخمر: نجسة نجاسة مغلظة، كالبول لثبوتها بالدلائل القطعية:
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٢٢١)، وصححه الزيلعي في "نصب الراية" ١/ ٣٨. وضعفه البوصيري. قال الخليل: القَلَسُ: ما خرج ملء الفم أو دون ذلك، فإذا غلب فهو قيء (فيض القدير ٤/ ٥٣٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٠٩١) والترمذي (٩٦) وابن ماجه (٤٧٨) وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) الروث: ما يخرج من دبر الحيوان، ويقاس ما يخرج من القبل على ما خرج من الدبر. انظر: التحفة الرضية ص (٢١).
(٤) أخرجه البخاري (١٥٥) وأحمد (٣٩٦٦) والنسائي (٤٢). والرّكس: النجس.
[ ٤٥ ]
قوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) [سورة المائدة: ٩٠].
والخمر تشمل كل مُسكر مائع عند الجمهور والمعتمد عند الحنفية (^١).
الخامس: القيح، وهو مادة بيضاء غليظة لا يخالطها دم، تخرج من الجروح ونحوها، ومثله الصديد: وهو ماء رقيق يخالط دم، والنجس منهما هو الكثير، ويعفى عن القليل (^٢).
السادس: الْمَذْيَ والودْي:
الْمَذْيُ: هو ماء أبيض رقيق يخرج عند شهوة لا بشهوة ولا دفق ولا يعقبه فتور، وربما لا يُحَسُّ بخروجه، وهو أغلب في النساء من الرجال، ويسمى في جانب النساء (قذى).
_________________
(١) الفقه الإسلامي (١/ ١٥١، ١٥٢)، الهداية (١/ ١٧، ٢٠، ٣٧)، مراقي الفلاح (١/ ١٢٣، ١٣٥، ١٨٦، ١٨٧)، اللباب ١/ ١٥، ١٧، ٢٤)، الدر المختار (١/ ٢١٣)، الاختيار (١/ ٤٣)، منهاج الطالبين ص (١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٣٤، ٢٤٠، ٢٤٣) بداية المجتهد (١/ ١١٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٩، ٥٦، ١٣١)، منار السبيل (١/ ٣٣، ٥١، ٥٣)، الروض المربع ص (٣٨ - ٥١) والإفصاح (١/ ٥١).
(٢) المراجع السابقة نفسها.
[ ٤٦ ]
وَالْوَدْيُ: هو ماء أبيض كدرٌ ثخين لا رائحة له يعقب البول وقد يسبقه، وهما نجسان للأمر بغسل الذكر من الأول، ولخروجه مع البول أو بعده من الثاني (^١).
والدليل على نجاسة المذي ووجوب غسل الذكر منه والوضوء: حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلًا مذّاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال:
(فيهِ الوُضُوءُ) (^٢).
ولمسلم: (يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ) (^٣).
ولأحمد وأبي داود: (يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ) (^٤).
السابع: لحم ميتة الحيوان غير المائي الذي له دم سائل:
سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول، كالكلب والشاة والهرة والعصفور ونحوها (^٥).
_________________
(١) المراجع السابقة نفسها.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٢) ومسلم (٣٠٣).
(٣) أخرجه مسلم (٣٠٣) وأحمد (٦٠٦).
(٤) أخرجه أحمد (١٠٠٨) وأبو داود (٢٠٨). حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين. (تحقيق المسند: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون ٢/ ٢٩٣).
(٥) الفقه الإسلامي (١/ ١٥٢)، مراقي الفلاح (١/ ١٨٧)، الهداية (١/ ٣٥٢)، منهاج الطالبين ص (١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٣٨) التحفة الرضية (١/ ١٥)، الفقه المالكي في ثوبه الجديد (١/ ١٠٠)، منار السبيل (١/ ٥٢)، الروض المربع ص (٥٢١).
[ ٤٧ ]
وأما أجزاء الميتة فاختلف فيها، والدليل على نجاسة ميتة الحيوان قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [سورة المائدة: ٣].
الثامن: لحوم الحيوان غير المأكول، وإن ذكّيت وذبحت، وكذا ألبانها، لأنها متولدة من اللحم فتأخذ حكمه، وذلك مثل الخيل (^١) والبغال والحمير وغيرها، فالمذبوح منه والميتة سواء، وتذكيته لا تؤثر فيه الطهارة (^٢).
والدليل على نجاسة لحوم الحيوان الغير المأكولة: حديث خالد بن الوليد ﵁ أن النبي ﷺ: (نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ والْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) (^٣). والنهي عن أكلها دليل بنجاستها.
التاسع: الجزء المنفصل أو المقطوع من الحيوان الحي في حال حياته، كاليد والآلية، إلا الشعر وما في معناه (^٤)، لقوله تعالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين) [سورة النحل: ٨٠].
_________________
(١) خالف في ذلك الحنابلة فقالوا بإباحة أكل الخيل، انظر: منار السبيل (٢/ ٤١٣) فدل على طهارتها عندهم.
(٢) المراجع السابقة نفسها.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٧٩٠) والنسائي (٤٣٣٢). حسَّنه السيوطي في الجامع، وضعفه غيره. انظر كتاب (البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير ٩/ ٣٦٢ لابن الملقن)
(٤) الفقه الإسلامي (١/ ١٥٢)، منهاج الطالبين ص (١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٤٥) التحفة الرضية (١/ ١٧)، الفقه المالكي (١/ ١٠١)، بدائع الصنائع (٥/ ٤٤) المبدع لابن مفلح (١/ ٧٦) كشاف القناع ١/ ٥٧) البحر الرائق (٨/ ٢٦١) رد المحتار والدر المختار (١/ ٢٠٧).
[ ٤٨ ]
والدليل على ذلك: حديث أبي واقد اللَّيْثِيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَهُوَ- أي المقطوعُ - مَيْتَةٌ) (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٩٠٣) وابن ماجه (٣٢١٦) وغيرهما. وصححه الحاكم على شرط البخاري.
[ ٤٩ ]