جميع ما في الكون إما جماد، أو حيوان، أو فضلات.
والأصل في الأشياء الطهارة، ما لم يثبت بنجاستها بدليل شرعي، والفقهاء متقاربون في الحكم بطهارة الأعيان.
اتفق الأئمة الأربعة (^١) على أن الجماد (وهو كل جسم لم تحلّه الحياة ولم ينفصل عن حي (^٢) كله طاهر إلا المسكر.
فجميع أجزاء الأرض الجامدة والمائعة وما تولد منها طاهرة، ومن الجامد: المعادن كالذهب والفضة والحديد ونحوها، وجميع أنواع النبات ولو كان ساقًا أو مخدرًا كالحشيش والأفيون والبنج، ومن المائع: المياه والزيوت وعسل القصب، وماء الأزهار، والطيب والخل.
واتفقوا على أن كل جاف طاهر، وأن نافجة (وعاء) المسك طاهرة كالمسك، وأن الزَّباد (^٣) والعنبر طاهر (^٤)، وأن شعر الحيوان المأكول طاهر، وأن الخمر المتخلّلة بنفسها طاهرة.
_________________
(١) الفقه الإسلامي (١/ ١٤٠)، الهداية (١/ ٣٦)، رد المحتار والدر المختار (١/ ٢٠٥)، منهاج الطالبين ص (١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٣١). حاشية الدسوقي (١/ ٤٩)، الروض المربع ص (٢٣)
(٢) أما المنفصل عن الحي كالبيض والسمن وعسل النحل فليس من الجماد، لانفصاله عنه، وهو طاهر.
(٣) الزَّبَادَ: هُوَ لَبَنُ سِنَّوْرٍ فِي الْبَحْرِ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الْمِسْكِ (المجموع للنووي ٢/ ٥٧٣).
(٤) العنبر: نبت ينبت في البحر يبلعه حوت (البيان في مذهب الشافعي ٤/ ١٦٠).
[ ٣٨ ]
والدليل على أن أجزاء الأرض الجامدة والمائعة وما تولد منها كان طاهر إلا المسكر قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [سورة الجاثية: ١٣].
والدليل على طهارة شعر الحيوان المأكول وجميع أجزائه قوله تعالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين) [سورة النحل: ٨٠].
والدليل على طهارة الخمر إذا تخللت بنفسها: حديث عَائِشَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (نِعْمَ الْأُدُمُ، أَوِ الْإِدَامُ الْخَلُّ) (^١).
واتفق الأئمة الأربعة على طهارة الحيوان المذكى ذكاة شرعية، وعلى طهارة ميتة السمك والجراد.
والدليل على طهارة الحيوان المذكى قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) [سورة المائدة: ٣].
والدليل على طهارة ميتة السمك والجراد: حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ) (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٠٥١) والدارمي (٢٠٩٣).
(٢) أخرجه أحمد (٥٧٢٣) وابن ماجه (٣٣١٤) وليس في روايات الحديث لفظ (السمك) وإنما الوارد (الحوت) وهو يشمل السمك الكبير والصغير. وقد حسَّن الحديث الإمام المناوي، وهو يُروى مرفوعًا وموقوفًا من كلام ابن عمر وهو أصح، ومع ذلك فله حكم المرفوع كما قال البيهقي ﵀: "وإِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: " أحل لنا، أَوْ حرم علينا " كَانَ ذَلِك مُسْندًا؛ إِذْ لَيْسَ أحد يُؤْخَذ عَنهُ ذَلِك إِلَّا رَسُول الله ﷺ. (مختصر خلافيات البيهقي ٥/ ٧٦)
[ ٣٩ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) (^١).
_________________
(١) أخرجه مالك (١٢) وأحمد (٧٢٣٣) والترمذي (٦٩). قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيحٌ.
[ ٤٠ ]
الفصل الثاني
النجاسة
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: أنواع النجاسة إجمالًا وحكم إزالتها.
المبحث الثاني: المقدار المعفو عنه من النجاسة.
المبحث الثالث: كيفية تطهير النجاسة الحقيقية بالماء.
المبحث الرابع: حكم الغسالة.
[ ٤١ ]