للطهارة أهمية كبيرة في الإسلام، سواء أكانت حقيقية: وهي طهارة الثوب والبدن ومكان الصلاة من النجاسة، أم طهارة حكمية: وهي طهارة أعضاء الوضوء من الحدث، وطهارة جميع الأعضاء الظاهرة من الجنابة، لأنها شرط دائم لصحة الصلاة التي تتكرر خمس مرات يوميًا، وبما أن الصلاة قيام بين يدي الله تعالى، فأداؤها بالطهارة تعظيم لله، والحدث والجنابة وإن لم يكونا بنجاسة مرئية، فهي نجاسة معنوية توجب استقذار ما حل بها، فوجودها يخل بالتعظيم، وينافي مبدأ النظافة التي تتحقق بالغسل المتكرر، فبالطهارة تطهر الروح والجسد معًا.
واهتمام الإسلام بجعل المسلم دائمًا طاهرًا من الناحيتين المادية والمعنوية أكمل وأوفى، دليل على الحرص الشديد على النقاء والصفاء، وعلى أن الإسلام مثل أعلى للزينة والنظافة، والحفاظ على الصحة الخاصة والعامة، وبناء البنية الجسدية في أصح قوام، وأجمل مظهر، وأقوى عماد، ولصون البيئة والمجتمع من انتشار المرض والضعف والهزال، لأن غسل الأعضاء الظاهرة المتعرضة للغبار والأتربة والجراثيم يوميًا وغسل الجسم في أحيان متكررة عقب كل جنابة، كفيل بحماية الإنسان من أي تلويث، وقد ثبت طبيًا أن أنجع علاج
_________________
(١) انظر: الفقه الإسلامي للزحيلي (١/ ٨٩)، والفقه الإسلامي للسلقيني (١/ ٣٩).
[ ١٧ ]
وقائي للأمراض الوبائية وغيرها هو النظافة، والوقاية خير من العلاج، وقد امتدح الله تعالى المتطهرين، فقال: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين) [سورة البقرة: ٢٢٢].
وأثنى سبحانه على أهل مسجد قُباء بقوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين) [سورة التوبة: ١٠٨].
وعلى المسلم أن يكون بين الناس مثالًا متميزًا بارزًا في نظافته، وطهره الظاهر والباطن، قال ﷺ لجماعه من صحبه: (إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ وَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ) (^١).
ولا تنفع الطهارة الظاهرة إلى مع الطهارة الباطنة بالإخلاص لله والنزاهة عن الغل والغش والحقد والحسد وتطهير القلب عما سوى الله من الكونين، فيعبده لذاته لا لعلة مفتقرًا إليه وهو يتفضل بالمن بقضاء حوائجه المضطر بها عطفًا عليه، فيكون عبدًا فردًا للمالك الاحد الفرد الذي لا يسترِقُكَ شيء من الأشياء سواه ولا يستملك هواك عن خدمتك إياه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٨٩) في اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار، وإسناده حسن، وحسنه النووي في " الرياض "، وأخرجه أحمد ٤/ ١٧٩، ١٨٠.
[ ١٨ ]