مشروعيته: التيمم من خصائص الأمة الإسلامية، شرع في غزوة بني المصطلق (غزوة المريسيع) في السنة السادسة من الهجرة، حينما أضاعت عائشة عِقْدها، فبعث ﷺ في طلبه، وحانت الصلاة، وليس معهم ماء، فنزلت آية التيمم، كما نزلت آيات براءة عائشة من الإفك في سورة النور، فقال أُسيْد بن حُضير: (جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا) (^١) واختلف الأئمة الأربعة في التيمم، هل هو رخصة، أم عزيمة؟ والمخالف واحد (^٢).
وأدلة مشروعيته:
أ- الكتاب، قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: ٦].
وهذا يدل على أن التيمم فريضة بدل الغسل بالماء.
ب- السنة، فأحاديث كثيرة منها:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٩) ومسلم (٣٦٧).
(٢) وهم الحنابلة، حيث قالوا إنه عزيمة، كشاف القناع (١/ ١٦١).
[ ١٦٧ ]
حديث عمران بن حصين ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل فقال: ما منعك أن تصلي؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) (^١).
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ: (جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسَاجِدَ وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ) (^٢).
٤ - الإجماع، وأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة.
أما صفته أو الطهارة التي هو بدل عنها: فاتفق الأئمة الأربعة (^٣) على أن التيمم ينوب عن الوضوء وعن الغسل من الجنابة والحيض والنفاس، فالمحدث والجنب والحائض والنفساء، ومن ولدت ولدًا جافًا تتيمم للصلاة وغيرها من الطاعات، لأن الضمير في قوله تعالى: (فَلَمْ تَجْدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]. يعود على المحدث حدثًا أصغر وعلى المحدث حدثًا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤١) والنسائي (٣٢١) والدارمي (٧٧٠٠). الصَّعِيدُ: التُّرَابُ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ وَجْهُ الْأَرْضِ (مختار الصحاح ص ١٧٦).
(٢) أخرجه أحمد (٧٠٦٨) والبيهقي (١٠٦٠) وأصله في الصحيحين.
(٣) الفقه الإسلامي (١/ ٤٠٧)، شرح فتح القدير (١/ ١١١)، الهداية (١/ ٢٨)، الدر المختار، (١/ ١٥٢) الميزان (١/ ٨٨)، الحضرمية ص (٤٦)، منهاج الطالبين ص (١٦)، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٤) القوانين الفقهية ص (٣٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٧)، بداية المجتهد (١/ ١٠١)، منار السبيل (١/ ٤٧)، الروض المربع ص (٤٥).
[ ١٦٨ ]
أكبر عند القائلين بأن الملامسة هي الجماع، أما من كانت الملامسة عنده هي اللمس باليد في قوله تعالى (أو لامستم النساء) [المائدة: ٦]، فالضمير يعود على المحدث حدثًا أصغر فقط، وتكون مشروعيته التيمم للجنب ثابتة بالسنة، وذلك بحديث عمران بن حصين السابق ذكره.
أما الطاعات التي يتيمم لها: فيجوز التيمم لكل ما يتطهر له من صلاة مفروضة أو نافلة، أو مس مصحف، أو قراءة قرآن، أو سجود تلاوة أو شكر، أو لبث في مسجد، للأحاديث السابقة، ولأنه يستباح بالتيمم ما يستباح بطهارة الماء.
وبناء على اختلاف الأئمة في أن التيمم هل هو بدل مطلق أو بدل ضروري، اختلفوا في الفروع، فاختلفوا في وقت التيمم، والمخالف واحد (^١).
ولكن اتفقوا في هذا الباب على أن الأفضل تأخير التيمم لآخر الوقت إن رجا وجود الماء حينئذ، فإن يئس من وجوده، فاختلف الأئمة فيه، والمخالف واحد (^٢).
واختلف الأئمة في هذا بأنه هل يصلي بالتيمم الواحد فرضًا واحدًا أو أكثر.
_________________
(١) وهم الحنفية: القائلون بجواز التيمم قبل الوقت ولأكثر من غرض، والثلاثة: أنه لا يصح إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل. مراقي الفلاح (١/ ١٥٨).
(٢) وهم الحنابلة: أن تأخير التيمم أولى بكل حال، والثلاثة: تقديمه، كشاف القناع (١/ ١٧٨).
[ ١٦٩ ]
واختلفوا أيضا في هذا بأنه هل التيمم للنفل يجيز صلاة الفرض.