يسمى ما يوجب الغسل (حدثًا أكبر)، كما يسمى ما يوجب الوضوء (حدثًا أصغر).
وموجبات الغسل على المكلف (البالغ العاقل) ذكرًا أو أنثى المتفق عليها بين الأئمة (^١) الأربعة خمسة أشياء وهي:
١ - خروج المنيّ: اتفق الأئمة الأربعة على وجوب الغسل بخروج المني، وهو بروزه إلى الظاهر من فرج الرجل أو المرأة، بلذة معتادة تدفقًا، في حالة النوم أو اليقظة، بنَظَر أو فكر في جماع أو بمباشرة فعلية لإنسان حيّ.
والمنيّ: هو ماء أبيض ثخين ينكسر الذكر بخروجه يشبه رائحة الطَّلع.
ومني المرأة: رقيق أصفر. ولا غسل للمذي والودي.
_________________
(١) الفقه الإسلامي (١/ ٣٦٠) مراقي الفلاح (١/ ١٣٠) الهداية (١/ ١٩) اللباب (١/ ٢٢) الدر المختار (١/ ١٠٧) شرح فتح القدير (١/ ٥٣) الميزان (١/ ٨٧) منهاج الطالبين ص (١٤)، نهاية المحتاج (١/ ٢١٤) أنوار المسالك ص (٤٢) الإقناع (١/ ٦٥) المقدمة الحضرمية ص (٤١) حاشية الدسوقي (١/ ١٢٦) حاشية العدوي (١/ ٢١٠) بداية المجتهد (١/ ٨٠) القوانين الفقهية ص (٢٣) الإفصاح (١/ ٦٤ - ٦٥)، العدة ص (٥٧) الروض المربع ص (٤١) منار السبيل (١/ ٣٨).
[ ١٢٩ ]
أما المذي: فهو رقيق أبيض مائل إلى البياض، يخرج عند ملاعبة الرجل أهله.
وأما الودي: فهو الغليظ من البول يعقب الرقيق منه.
ولا يجب بالاتفاق الغسل على امرأة بمني وصل للفرج ما لم تحبل منه.
واتفقوا على أن رطوبة الفرج طاهرة وغسله سنة.
والدليل على وجوب الغسل بخروج المني للرجل والمرأة:
أ - عن علي ﵁ قال: كنت رجلًا مذاءً فسألت النبي ﷺ، فقال: (فِي الْمَذْيِ الْوُضُوءُ وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ) (^١).
ولأحمد فقال: (إِذَا خَذَفْتَ الْمَاءَ (^٢) فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ خَاذِفًا فَلا تَغْتَسِلْ) (^٣).
ب - وعن أم سلمة ﵂ أن أُمَّ سليم ﵂ قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة الغسل إذا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨٦٩) وأبو داود (٢٠٦) والترمذي (١١٤). وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) حَذَفْتَ: يروى بالحاء المهملة والخاء المعجمة بعدها ذال معجمة مفتوحة ثم خاء وهو الرمي وهو لا يكون بهذه الصفة إلا لشهوة (نيل الأوطار ج ١/ ٣٣٨).
(٣) أخرجه أحمد (٨٤٧) وقال شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره.
[ ١٣٠ ]
احتلمت؟ قال: (نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ)، فقالت أم سلمة: وتحتلم المرأة؟ فقال: (تَرِبَتْ يَدَاكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا) (^١).
وليس في المذي والودي غسل، وفيهما الوضوء وغسل الذكر، والدليل على عدم وجوب الغسل من المذي والودي:
حديث عبد الله بن سعد الأنصاري ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: (ذَاكَ الْمَذْيُ، وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي، فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ (^٢) وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ) (^٣).
٢ - التقاء الختانين (^٤) ولو من غير إنزال:
أو الجنابة بغيب حشفة (رأس الذكر)، أو قدرها من مقطوعها في فرج مطيق للجماع، قبلًا أو دبرًا، من ذكر أو أنثى حيّ بالغين، طائع أو مكره، نائم أو يقظان، ولا يشترط الإنزال بالاتفاق.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٠) ومسلم (٣١٣).
(٢) الأُنثيان: الخصيتان (لسان العرب ٢/ ١١٢).
(٣) أخرجه أحمد (١٩٠٧) وأبو داود (٢١١). قال الشيخ شعيب في تحقيقه لسنن أبي داود: إسناده صحيح.
(٤) الخِتانُ: موضع الختن من الذكر، موضع القطع من نواة الجارية، قال أبو منصور: هو موضع القطع من الذكر والأنثى. (لسان العرب ١٣/ ١٣٨).
[ ١٣١ ]
واختلف الأئمة الأربعة في وجوب الغسل للمراهق والصغيرة التي وطئها بالغ، واختلفوا أيضًا في وجوب الغسل على واطئ البهيمة أو الميتة.
وكل هذا الخلاف من غير إنزال، فإذا وجد الإنزال وجب الغسل بالاتفاق من غير خلاف.
واختلفوا أيضًا في وجوب الغسل في حالة عدم الإنزال ولكن بإيلاج بحائل، كأن يلف على ذكره خرقة أو يدخله في كيس.
والدليل على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين:
١ - القرآن: قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].
٢ - السنة: منها؛
أ- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) (^١).
ولمسلم: (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) (^٢).
ت - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ مَسَّ الخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ) (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٧) ومسلم (٣٤٨) وأحمد (٧١٩٨) ومعنى (شُعَبِهَا الأرْبَع): هِيَ الْيَدَانِ والرِّجلانِ (النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٧٧). ومعنى (جَهَدَهَا): أَيْ دَفَعَها وحَفَزَها (النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٢٠).
(٢) أخرجه مسلم (٣٤٨) والبزار (٩٥٩٤).
(٣) أخرجه مسلم (٣٤٩) وأبو داود (٢١٦).
[ ١٣٢ ]
وللترمذي: (إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، وَجَبَ الْغُسْلُ) (^١).
ج- وعن أبي بن كعب ﵁ قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون: (الماء من الماء) رُخصة، كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعدها.
وفي لفظ (إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُهِيَ عَنْهُ) (^٢).
فدل هذا الحديث على أن حديث رافع بن خديج وغيره عند مسلم وأحمد وأبو داود وهو: (الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ) (^٣) منسوخ، وبه يرد على الأنصار الذين كانوا يقولون: لا يجب الغسل بِالْإِكْسَالِ (أي من غير إنزال) إذ إن هذه الأحاديث صريحة في إيجاب الغسل من التقاء الختانين، أنزل أم لم ينزل، وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك (^٤).
وليس المراد من التقاء الختانين تجاورهما أو انضمامهما فقط، وإنما مجاوزة الختان الختان فهو مجاز أريد به الإيلاج، أو إدخال الحشفة في الفرج (القبل أو الدبر) إذ الختانان محلُّ القطع في الختان، وختان المرأة فوق مخرج البول، ومخرج البول فوق مدخل الذكر.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٥٠٣٧) والترمذي (١٠٨) وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٢) أخرجه أحمد (٢١١٠٠) والدارقطني (٤٥٦) وقال شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح.
(٣) أخرجه مسلم (٤٣) وأبو داود (٢١٧) وابن ماجه (٦٠٧).
(٤) سبل السلام (١/ ٨٤، ٨٥).
[ ١٣٣ ]
٣ - ٤ الحيض والنفاس:
ويوجبان الغسل باتفاق الأئمة الأربعة.
والدليل على وجوب الغسل على الحائض:
١ - القرآن: قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].
٣ - السنة: عن عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ لرسول الله ﷺ: إني امرأة أُستحاض فلا أطْهُر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: (إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) (^١).
وفي رواية للبخاري: (وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) (^٢).
والدليل على وجوب الغسل على النفساء.
حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (تَنْتَظِرُ النُّفَسَاءُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَمَنْ رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٠) ومسلم (٣٣٣)
(٢) أخرجه البخاري (٣١٩).
[ ١٣٤ ]
طَاهِرٌ، وَإِنْ جَاوَزْتِ الْأَرْبَعِينَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ) (^١).
ولأنه دم حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل.
ولا يجب الغسل بدم الاستحاضة، لكن يندب إذا انقطع.
وانقطاع دم الحيض والنفاس شرط وجوب الغسل وصحته، بدليل قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) [البقرة: ٢٢٢] يعني إذا اغتسلن.
قيل: منع الزوج وطأها قبل الغسل، فدل على وجوبه عليها.
واختلف الأئمة الأربعة في وجوب الغسل على الولادة بلا بلل، والمخالف الوحيد هم الحنابلة (^٢).
٥ - موت المسلم غير الشهيد:
يجب تعبدًا باتفاق المذاهب الأربعة على المسلمين وجوب كفاية غسل الميت المسلم غير الشهيد، الذي لا جنابة منه، والدليل على الوجوب:
عن ابن عباس ﵄ قال: عن النبي ﷺ خرَّ رجل من بعيره فَوُقِصَ فمات فقال: (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القيامةِ مُلَبِّيًا) (^٣)
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٦٢٥) والدارقطني (٨٥٨).
(٢) في أرجح أقوالهم: حيث قالوا بعدم وجوب الغسل، والأئمة الثلاثة بالوجوب. انظر: كشاف القناع (١/ ١٤٦). والمغني (١/ ١٣٤).
(٣) أخرجه البخاري (١٨٥١) ومسلم (١٢٠٦). والوقص: كسر العنق.
[ ١٣٥ ]
وللنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (اغْسِلُوا الْمُحْرِمَ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا) (^١) فهو دليل على وجوب غسل الميت، وقد غُسل النبي ﷺ وأبو بكر بعده، وتوارثه المسلمون.
واختلف الأئمة الأربعة (^٢) في وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم، أو المرتد، أو المميز، هذا إذا لم يكن جنبًا، فإذا كان جنبًا فيجب الغسل بالاتفاق للأدلة التي مرت معنا في وجوب الغسل من الجنابة.
ويلاحظ أنه إذا اجتمع شيئان يوجب الغسل، كالحيض والجنابة، أو التقاء الختانين والإنزال؛ أجزاه غسل واحد، واختلفوا في أنه هل تنوب نية الغسل عن الوضوء، والمخالف هم الحنابلة (^٣).
_________________
(١) أخرجه النسائي (١٩٠٤).
(٢) المراجع السابقة نفسها.
(٣) حيث قالوا: أنه لا بد من نية الوضوء أيضًا، بخلاف الأئمة الثلاثة فلم يشترطوا ذلك لدخول الموضوع تحت الغُسل بخلاف العكس انظر: كشاف القناع (١/ ٩٣).
[ ١٣٦ ]