الغسل قد يكون واجبًا: كالغسل من الجنابة والحيض والنفاس.
وقد يكون سنة أو مندوبًا أو مستحبًا.
واتفق الأئمة الأربعة (^١) على سُنية الأغسال الثمانية التالية:
١ - الغسل لصلاة الجمعة:
وذلك للأدلة المتعددة: منها:
أ - حديث ابن عمررضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (إذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ) (^٢).
ب- وعن سمرة بن جنب أن نبيّ الله ﷺ قال: (مَنْ تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَذَلِكَ أَفْضَلُ) (^٣).
_________________
(١) الفقه الإسلامي (١/ ٣٨٦) مراقي الفلاح (١/ ١٤٤) الهداية (١/ ٢٠)، اللباب (١/ ٢٣)، الدر المختار (١/ ١١٣) شرح فتح القدير (١/ ٥٧) الإقناع (١/ ٧١) أنوار المسالك ص (٤٦) نهاية المحتاج (١/ ٢٢٩) القوانين الفقهية ص (٢٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٣) بداية المجتهد (١/ ٢٣٢)، منار السبيل (١/ ٤٢) الروض المربع ص (١٣٠)، العدة ص (١٤٠).
(٢) أخرجه البخاري (٨٣٧) وأبو داود (٨٤٤).
(٣) أخرجه أحمد (٢٠١٧٤) والدارمي (١٥٤٠) والترمذي (٤٩٧) وقال: حديث حسن.
[ ١٤٧ ]
واختلف الأئمة هل السنية في يوم الجمعة أم لصلاة الجمعة؟ إلى فريقين، ولكنهم اتفقوا على أنه لا يعتبر الغسل بعد صلاة الجمعة إجماعًا.
مسألة: واتفق الأئمة الأربعة على أنه من اغتسل لجنابة، أو نحوها، مع غسل جمعة أو عيد أجزأه الغسل عنهما إذا نوى بالجنابة وأتبعها الجمعة، كما لو اغتسل لفرضي جنابة وحيض اتفاقًا.
وغسل الجمعة آكد الأغسال المسنونة للأدلة الكثيرة، ولا يستحب للنساء.
٢ - الغسل لصلاة العيدين:
والدليل على السنية: حديث الفاكة بن سعد، ﵁ وكان له صحبته: (أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ)، وكان الْفَاكِهُ بْنُ سَعْدٍ يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام (^١).
ولأنها صلاة شرعت لها الجماعة، فأشبهت الجمعة.
٣) للإحرام بالحج أو بالعمرة، ولوقوف عرفة بعد الزوال، ولدخول مكة، ومبيت مزدلفة، وطواف زيارة، وطواف وداع.
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في المسند (١٦٧٢٠) والطبراني في الكبير (٨٢٨).
[ ١٤٨ ]
والدليل على سنية الغسل للإحرام: حديث زيد بن ثابت ﵁ أنه (رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ) (^١)، وظاهره ولو مع حيض ونفاس بدليل حديث عائشة ﵂ قالت: نُفِسَتْ أسماء بنت عُمَيس ﵂، بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، (فَأَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أبَا بكرٍ أَنْ يَأْمُرْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وتُهِلَّ) (^٢).
والدليل على سنية الغسل لوقوف عرفة:
أ- عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن عليًا كرم الله وجهه كان يغتسل يوم العيدين، ويحرم الجمعة، ويوم عرفة، وإذا أراد أن يحرم (^٣).
ب- وعن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ، وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ (^٤).
والدليل على سنية الغسل للدخول إلى مكة ولو مع حيض:
عن ابن عمر ﵄ أنه كان لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٨٣٠) وابن خزيمة، وقال الترمذي: حسن غريب.
(٢) أخرجه مسلم (١٠٢٩) وأبو داود (١٧٤٣) وابن ماجه (٢٩١١).
(٣) أخرجه الشافعي في مسنده ص (٧٤) وانظر معرفة السنن والآثار (٥/ ٤٩) ..
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (١١٥٢).
[ ١٤٩ ]
حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَغْتَسِلَ، ثم يدخل مكة نهارًا، ويُذْكر عن النبي ﷺ أنه فعله (^١).
وأما الغسل لمبيت مزدلفة ورمي الجمار في منى وطواف الزيارة والوداع، فلأنها أنساك يجتمع لها الناس، فيعرقون، فيؤذي بعضهم بعضًا، فاستحب الغسل لها كالجمعة دفعًا للروائح وللتنظيف.
٤) لصلاة الكسوف (للشمس) والخسوف (للقمر) والاستسقاء؛ لأنها عبادة يجتمع لها الناس فأشبهت الجمعة والعيدين، وقال الحنفية: إنه مندوب فقط (^٢).
٥) لغسل الميت المسلم أو الكافر (^٣). والدليل على الاستحباب أو الندبية:
حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مَنْ غَسَّلَ مَيْتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ) (^٤)، وظاهر الحديث يدل على
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦٨٠) ومسلم (١٢٥٩).
(٢) مراقي الفلاح (١/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٣) وهو مستحب عند الثلاثة، مندوب عن الحنفية.
(٤) أخرجه أحمد (٩٨٦٢) والترمذي (٩٩) وأبو داود (٣١٦١) قال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين. قال أبو داود: إنه منسوخ. انظر نيل الأوطار (١/ ٣٦٤).
[ ١٥٠ ]
الوجوب، لكنه محمول على الندب عند الأئمة الأربعة لحديث: (إنَّ مَيِّتَكُمْ يَمُوتُ طَاهِرًا فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ) (^١).
ولحديث: (كُنَّا نُغَسِّلُ الْمَيِّتَ فَمِنَّا مَنْ يَغْتَسِلُ وَمِنَّا مَنْ لَا يَغْتَسِلُ) (^٢).
ولحديث: (لَا غُسْلَ عَلَيْكُمْ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ) (^٣) وهذا الحديث يدل على عدم الوجوب عند الأحناف، وقالوا بالندبية خروجًا من الخلاف، لكن قال الشوكاني (^٤): القول بالاستحباب هو الحق، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن، وبه يتبيّن أن طلب الغسل غير لازم لغسل الميت، مندوب إليه في المذاهب الأربعة.
٦) للمستحاضة (^٥) والدليل على السنية:
حديث عائشة ﵂ قالت: استُحيضتْ زينب بنت جحش ﵂، فقال لها النبي ﷺ:
_________________
(١) أخرجه البيهقي (١٣٨٥) والحاكم في المستدرك (١٤٢٦). وقد حسن ابن حجر إسناده.
(٢) أخرجه الدارقطني (١٨٢٠) والبيهقي في السنن (١٤٨١). وإسناده صحيح كما قال الحافظ ابن حجر.
(٣) رواه الدارقطني (١٨٣٩). والحاكم مرفوعًا من حديث ابن عباس، وصحح البيهقي وقفه، وقال: لا يصح رفعه.
(٤) نيل الأوطار (١/ ٣٦٥).
(٥) عند الشافعية والحنابلة أنه يسن لها الاغتسال لكل صلاة، وقال المالكية: إنه مستحب، وقال الحنفية: يندب لها إذا انقطع دمها.
[ ١٥١ ]
(اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ) (^١).
ويجوز الاقتصار على غسل واحد لما يجوز جمعه بين الصلاتين: الظهر والعصر والمغرب والعشاء لحديث عائشة ﵂: (إِنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو اسْتُحِيضَتْ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ، وَالصُّبْحَ بِغُسْلٍ) (^٢).
٧) للإفاقة من جنون أو إغماء أو سكر: يندب الغسل لمن أفاق من جنون ونحوه. والدليل على الندبية: عن عائشة ﵂ قالت: ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (أَصَلَّى النَّاسُ). قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: (ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ). قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ ﷺ: (أَصَلَّى النَّاسُ). قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ .. فَذَكَرَتْ إرْسَالَهُ إلَى أَبِي بَكْرٍ) (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٢) والبيهقي (١٦٤١)
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٨٧٩) وأبو داود (٢٩٥).
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٥) ومسلم (٤١٨). المخضب: إناء يغْتَسل فِيه. فَذَهَبَ لِيَنُوءَ: أي: لينهض بجهد.
[ ١٥٢ ]
٨) عند حجامة، وفي ليلة براءة، وليلة القدر إذا رآها:
يندب عند الحنفية الغسل من الحجامة خروجًا من خلاف من ألزمه (^١).
وفي ليلة براءة: وهي ليلة النصف من شعبان لإحيائها وعظم شأنها، إذ فيها تقسم الأرزاق والآجال (^٢) وفي ليلة القدر إذا رآها، لإحيائها.
وفي حال فزع من خوف، التجاء إلى الله وكرمه، لكشف الكرب عنه.
وفزع من ظلمة وريح شديد، لأن الله تعالى أهلك به من طغى، كقوم عاد فيلتجئ المتطهر إليه، ويندب الغسل للتائب من ذنب، وللقادم من سفر، ولم أصابته نجاسة وخفي مكانها، فيغسل جميع بدنه، وجميع ثوبه احتياطا.
_________________
(١) مراقي الفلاح (١/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٢) وهو قول عكرمة وهو مروي عن ابن عباس ﵄. والجمهور أن ذلك في ليلة القدر. (انظر كتاب ليلة النصف من شعبان لعبد الإله العرفج ص: ٨٩)
[ ١٥٣ ]