اتفق الأئمة الأربعة (^١) على أن الماء الكثير وهو (عشر في عشر) (^٢) لا ينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه، وأما الماء القليل فيتنجس ولو لم تتغير أوصافه، وقدروا استحسانًا مقادير معينة في نزح ماء البئر القليل، على النحو التالي:
أولًا- حالة بقاء الواقع في البئر حيًا:
_________________
(١) الفقه الإسلامي (١/ ١٣٥)، مراقي الفلاح (١/ ٧٩)، الهداية (١/ ٢٤)، اللباب (١/ ٣٠)، رد المحتار على الدر المختار (١/ ١٤١)، منهاج الطالبين ص (١٥)، أنوار المسالك ص (١٧)، الإقناع (١/ ٢٥)، نهاية المحتاج (١/ ٨٧)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٥)، حاشية العدوي (١/ ١٦٠)، منار السبيل (١/ ٥٢)، الروض المربع ص (٥٢).
(٢) وهذا تقدير الحنفية للماء الكثير ودونه يكون قليلًا، ومعنى (عشر في عشر): أي عشرة أذرع بعشرة أذرع في الحوض المربع، وإن كان مستديرًا فيعتبر كثيرًا وإن بلغت مساحته ستة وثلاثين ذراعًا، ولا بد أن يكون عمق الماء بحيث لا تنكشف أرضه بالغرف منه، هذا هو الصحيح، والذراع: تقديره أربع وعشرون أصبعًا، بما يساوي خمسين سنتمتر تقريبًا، فيكون عشرًا في عشر، يساوي خمسة أمتار بخمسة أمتار تقريبًا، والشافعية والحنابلة: اعتبروا الماء كثيرًا، إذا بلغ قُلَّتَيْنِ، وهي خمسمائة عشر رطل بالعراقي، والقلة تساوي (٩٣. ٧٥) صاعًا وتساوي (١٦٠. ٥) لترًا من الماء، والمالكية لم يعتبروا هذين التقديرين، ولم يقولوا بالفرق بين القليل والكثير، انظر معظم لغة الفقهاء ص (٣٦٨)، منار السبيل (١٤/ ١٢) بداية المجتهد (١/ ٥١)، حاشية الطحاوي (١/ ٢١).
[ ٣٤ ]
اتفق الأئمة الأربعة على أنه إذا سقط آدمي أو حيوان مأكول اللحم وخرج حيًا، فلا ينجس البئر إذا لم يكن على بدنه نجاسة، فإن كان عليه نجاسة تنجس الماء لوجود النجاسة.
واختلفوا في الباقي بناء على حكم الآبار.
الدليل على طهورية الماء الواقع فيه الآدمي حديث أبي هريرة ﵁، أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ فَانْسَلَّ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ. فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (سُبْحَانَ اللهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ) (^١).
ثانيًا- حالة موت الإنسان والحيوان في البئر:
اتفق الأئمة الأربعة على أنه لا ينجس البئر بموت حيوان لا دم له سائل: كذباب وصرصور وخنفساء وزنبور وبق وعقرب، أو بموت حيوان مائي كسمك، وضفدع، وتمساح وسرطان وكلب ماء وخنزيره.
أما موت الآدمي فقد اختلف فيه بين الأئمة الأربعة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨١) ومسلم (٣٧١).
[ ٣٥ ]
والدليل على طهورية الماء بموت حيوان لآدم لرسائل: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وفِي الآخَرِ دَاءً) (^١).
وفي رواية لأبي سعيد: (فِي أَحَدِ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ سُمٌّ، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ، فَامْقُلُوهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ، وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ) (^٢).
ثالثًا- حالة وقوع النجاسة في الماء:
اتفق الأئمة الأربعة على نجاسة البئر الصغيرة بوقوع نجاسة فيها (^٣)، وإن قلت كقطرة دم، وقطرة خمر، وبول وغائط من أدمي، وينزح ماء جميع البئر،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٤٢) وأبو داود (٣٨٤٤) وابن ماجه (٣٥٠٥). وقد أَكَّدَ العلمُ الحديثُ صحّةَ هذا الحديثِ من الناحية الطبية، فقد كُشفَ أنّ في بعضِ جناحي الذبابةِ مادةً ترياقيةً مضادةً للجراثيمِ، ولأنواعِ الميكروبات، فإذا علِقَ بأرجلِ الذبابةِ بعضُ الجراثيمِ، أو الميكروباتِ، أو البكترياتِ الضارّةِ، ووقعَ هذا الذبابُ في سائلٍ، فعليكَ أنْ تغمسَ الجناحَ الثانيّ، فإنّ في بعضِ الأجنحةِ الدواءَ الترياقَ المضادَّ لهذه الجراثيمِ .. ولتمام الفائدة ينظر لكتاب "الإصابة في حديث الذبابة" حيث أجاد المؤلف الدكتور: "خليل إبراهيم خاطر" بدراسة الحديث النبوي دراسة وافية من حيث السند والمتن، وأجاد في تخريجه للأحاديث، ثم تحدث عن بعض الاكتشافات الحديثة التي تتعلق بوضع الحديث وما فيه من دلالات الإعجاز الطبي.
(٢) أخرجه أحمد (١١٦٤٣) وابن ماجه (٣٥٠٤). وهو حديث صحيح، ومعنى (امقلوه): اغمسوه (النهاية في غريب الحديث ٤/ ٣٤٧).
(٣) البئر الصغيرة والكبيرة قد أوضحته في أول الباب.
[ ٣٦ ]
بعد إخراج عين النجاسة، وتطهر البئر والدلو والرشاء (الحبل) والبكرة، ويد المستقي.
والدليل على نجاسة الدم قوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [سورة الأنعام: ١٤٥].
والدليل على نجاسة الخمر قوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ) [سورة المائدة: ٩٠].
والدليل على نجاسة بول الآدمي: حديث أنس بن مالك ﵁: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ، أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٩) ومسلم (٢٨٤)
[ ٣٧ ]