فرائض الوضوء المتفق عليها بين الأئمة الأربعة أربعة (^٣) منصوص عليها في القرآن العظيم وهي:
الفرض الأول: غسل الوجه:
الغَسْل: مصدر (غسلتُه) وبالضم: الاسم، وبالكسر: ما يغسل به من صابون ونحوه.
والغَسل: إسالة الماء على المحل بحيث يتقاطر، وأقله قطرتان في الأصح، ولا تكفي الإسالة بدون التقاطر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٩٥٤) ومسلم (٢٢٥).
(٢) سبل السلام (١/ ٤٠).
(٣) الفقه الإسلامي (١/ ٢١٤)، مراقي الفلاح (١/ ٩٧، ٩٨)، الهداية (١/ ١٥)، اللباب (١/ ١٠)، منهاج الطالبين (١٢) نهاية المحتاج (١/ ١٦٤)، بداية المجتهد (١/ ٣٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٥)، حاشية العدوي (١/ ١٥٨)، الروض المربع ص (٣٠)، منار السبيل (١/ ٢٤).
[ ٧٠ ]
والوجه: ما يواجه به الإنسان، وحده طولًا: ما بين منابت رأسه ومنتهى لحييه، أو من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل، الذقن، وهو مجمع لحييه.
واختلفوا في تقدير الداخل في حده بالعرض، وكذلك في تقدير من كانت له لحية كثة ومسترسلة.
والدليل على فرضية غسل الوجه:
١ - القرآن: قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦].
٢ - السنة: منها حديث عثمان بن عفان ﵁ في صفة وضوئه ﷺ: (ثم غسل وجهه ثلاثًا) (^١) والأحاديث في هذا كثيرة مستفيضة.
الفرض الثاني: غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة:
والمرفق: ملتقى عظم العضد والذراع، ويجب عند الأئمة الأربعة إدخال المرفقين في الغسل، لأن حرف (إلى) لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى (مع) كما في قوله تعالى: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) [هود: ٥٢]، (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) [النساء: ٢].
والدليل على فرضيته:
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٨) وأحمد (٤١٥)
[ ٧١ ]
١ - القرآن: قوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].
٢ - السنة: منها حديث عثمان السابق ذكره في بيان صفة وضوئه ﷺ: (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ) (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم قال: (هَكَذَا رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ يتوضأُ) (^٢).
٣ - إجماع الأمة على ذلك.
الفرض الثالث: مسح الرأس:
والرأس: منبث الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا، والمسح: هو إمرار اليد المبتلة على العضو.
واختلف الأئمة الأربعة في قدر القرض المجزء في مسحه.
والدليل على فرضيته:
١ - القرآن: قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦].
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٨) وأحمد (٤١٥).
(٢) أخرجه مسلم (٢٤٦) والحاكم في المستدرك (٥٧٧).
[ ٧٢ ]
٣ - السنة: منها حديث عبد الله بن زيد ﵁ (أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) (^١).
الفرض الرابع- غسل الرجلين إلى الكعبين:
والكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم.
والدليل على فرضيته:
١ - القرآن: قوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (^٢) [المائدة: ٦].
٢ - السنة: منها حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سَفْرَةٍ فأدركنا وقد أَرْهَقْنَا العصر فجعلنا نتوضأ، ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: (وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ) مرتين أو ثلاثًا (^٣).
أرهقنا العصر: أخرّناه، ويروى أرهقتنا العصرُ: بمعنى دنا وقتُها.
والواجب عند الأئمة غسل الكعبين، أو قدرهما عند فقدهما مع الرجلين مرة واحدة لدخول الغاية في المغيَّا، أي لدخول ما بعد (إلى) فيما قبلهما ودليل ذلك:
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٣) ومسلم (٢٣٥).
(٢) قراءة أبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو البصري وخلف العاشر وشعبة عن عاصم بكسر اللام، والباقي بفتحها.
(٣) أخرجه البخاري (٩٦) ومسلم (٢٤١).
[ ٧٣ ]
حديث أبي هريرة ﵁ أنه توضأ حتى وصل إلى الرجلين، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: (هَكَذَا رَأَيْتُ رسولَ اللهِ يَتَوَضَّأُ) (^١).
ويلزم عند الأئمة أيضًا غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحها والدليل على ذلك:
منها: عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبه، فقال: (ويل للأعقاب من النار) (^٢).
وثبوت الأحاديث الدالة على وجوب الغسل دون المسح كثيرة ومستفيضة، مع إجماع الصحابة على الغسل فكانت حينئذ موجبة لحمل قراءة (وأرجلِكم) بالكسر على حالة نادرة مخالفة للظاهر، ولا يجوز حمل المتنازع فيه عليها، وعطفها على (برؤوسِكم) بالجر للمجاورة (^٣)، وأما قراءة النصب، فهي عطف على اليدين في الغسل.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٦) والحاكم في المستدرك (٥٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (٩٦) ومسلم (٢٤١).
(٣) ومن لطيف ما ذكر الزمخشري: أن قراءة الجر في قوله "وَأَرْجُلَكُمْ" محمولة في المعنى على النصب ويكون السبب في عطفها على الرؤوس المجرورة، للإشارة إلى وجوب عدم الإسراف في الماء. فقد قال: فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها: فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها. ا. هـ (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ١/ ٦١١)
[ ٧٤ ]
والخلاصة: أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة:
[غسل الوجه، واليدين والرجلين مرة واحدة، والمسح بالرأس مرة واحدة].
وأما التثليث فهو سنة كما سيأتي.
[ ٧٥ ]