اتفق الأئمة الأربعة (^١) على سبعة أشياء تحرم بالحيض والنفاس وهي على النحو التالي:
١) الصلاة: يحرم على الحائض والنفساء الصلاة، والدليل عليه حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ ﵂ المتقدم ذكره، حيث قال ﷺ: (فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ) (^٢).
لكن يسقط فرض الصلاة ولا يقضى، بإجماع العلماء.
والدليل على سقوط الصلاة عنها في أيام الحيض والنفاس حديث معاذة قالت: سألت عائشة ﵂، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك مع رسول الله ﷺ (فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) (^٣).
_________________
(١) الفقه الإسلامي (١/ ٤٦٩) مراقي الفلاح (١/ ١٧٨) الهداية (١/ ٣٣)، واللباب (١/ ٤٧) الدر المختار (١/ ١٩٣) الميزان (١/ ٩٣) الإقناع (١/ ٩٩) منهاج الطالبين ص (١٢ - ١٩) الحضرمية ص (٥٢)، نهاية المحتاج (١/ ٣٢٧) أنوار المسالك ص (٥٧)، القوانين الفقهية ص (٣١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٧٢) حاشية العدوي (١/ ١٤٧) بداية المجتهد (١/ ٩٢) الروض المربع ص (٥٤) العدة ص (٦٢) منار السبيل (١/ ٥٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٠) ومسلم (٣٣٣)
(٣) أخرجه مسلم (٣٣٥) وابن ماجه (١٦٧٠).
[ ١٨٦ ]
ولأنه يشق قضاء الصلاة لتكرر الحيض وطول مدته، بخلاف الصوم.
٢) الصوم، يحرم على الحائض والنفساء الصوم، ويمنع صحته، لحديث عائشة ﵂ السابق ذكره، فإنه يدل على أنهن كن يفطرن، ولا يسقط قضاؤه عنهما، فتقضي الحائض، والنفساء الصوم دون الصلاة للحديث نفسه، ولأن الصوم في السنة مرة، فلا يشق قضاؤه، فلم يسقط، وهناك حديث آخر:
عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال للنساء: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟) قلن: بلى، قال: (فَذَلِكُنَّ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟) قلن: بلى، قال: (فَذَلِكُنَّ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) (^١).
٣) الطواف:
والدليل على الحرمة: حديث عائشة ﵂ قالت: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ، طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: (مَا يُبْكِيكِ). قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ. قَالَ: (لَعَلَّكِ نُفِسْتِ). قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٨) والترمذي (٢٦١٣).
[ ١٨٧ ]
كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) (^١).
ولأنه يفتقر إلى الطهارة ولا يصح من الحائض.
٤) قراءة القرآن ليس عن ظهر قلب، ومسّ المصحف وحمله، كما سبق في الجنابة والدليل على ذلك:
أ- القرآن: قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩» [الواقعة: ٧٩]. أي المتطهرون وهو خبر بمعنى النهي.
ب- السنة: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ) (^٢).
واختلف الأئمة الأربعة في قراءة الحائض والنفساء القرآن عن ظهر قلب، والمخالف واحد (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٩) ومسلم (١٢١١).
(٢) أخرجه الترمذي (١٣١) والدارقطني (١٨٧٩). وهو حديث حسن بشواهده، قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، مثل سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئًا، إلا طرف الآية والحرف، ونحو ذلك، ورخصوا للجنب والحائض في التسبيح والتهليل.
(٣) وهم المالكية، فلا يحرم عندهم سواء أكانت جنبا أم لا. القوانين الفقهية ص (٣١).
[ ١٨٨ ]
٥) دخول المسجد، واللبث فيه، والاعتكاف فيه ولو بوضوء.
والدليل على الحرمة:
حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: (إِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائضٍ وَلَا جُنُبٍ) (^١).
واختلف الأئمة الأربعة في حكم عبور الحائض والنفساء المسجد من غير لبث، والمخالف اثنان (^٢).
٦) الوطء في الفرج (أي الجماع) ولو بحائل، باتفاق العلماء، والدليل على الحرمة:
أ- القرآن، لقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢].
والمراد بالاعتزال: ترك الوطء.
ب- السنة، عن أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٢) وابن خزيمة (١٣٢٧). وحسنه ابن القطان.
(٢) وهم الشافعية والحنابلة: حيث أجازوا ذلك مع أمن تلويث المسجد بالنجاسة وغيرها. الإقناع (١/ ٦٧)، كشاف القناع (١/ ١٤٨).
[ ١٨٩ ]
فأنزل الله ﷿: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فقال رسول الله ﷺ: (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ) (^١) وفي لفظ: (إلا الجماع) (^٢).
واختلف الأئمة الأربعة في حكم الاستمتاع بما بين السرة والركبة والمخالف واحد (^٣).
واختلف الأئمة الأربعة هل تستمر حرمة الوطء إلى أن تطهر وتغتسل، أم إلى أن تطهر ويمضي عليها وقت صلاة كامل من غير غسل، والمخالف واحد (^٤).
واختلف الأئمة أيضا على من وطء الحائض ونحوها، هل عليه كفارة أم الاستغفار والتوبة؟ والمخالف واحد (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠٢) وأحمد (١٢٣٥٤) وابن ماجه (٦٤٤).
(٢) أخرجه النسائي (٩٠٤٩).
(٣) وهم الحنابلة: فأجازوا ذلك بما دون السرة وفوق الركبة أيضًا ما عدا الوطء في الفرج. الروض المربع ص (١٠٨).
(٤) وهم الحنفية: حيث قالوا إن طهرت ولم تغتسل ومضى عليها وقت صلاة كامل بأن تجد من الوقت زمنًا يسع الغسل حلّ وطؤها. مراقي الفلاح (١/ ١٧٠).
(٥) وهم الحنابلة: حيث قالوا بوجوب الكفارة، وكذلك على المرأة إن طاوعته، والكفارة هي دينار أو نصف دينار. منار السبيل (١/ ٦٤).
[ ١٩٠ ]
٧) الطلاق، يحرم الطلاق في الحيض، ويكون الطلاق بدعيًا واقعًا لما فيه من تطويل العدة على المرأة والدليل على الحرمة:
أ- القرآن: لمخالفة قوله تعالى: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١] أي في الوقت الذي يشرعن فيه العدة، لأن بقية الحيض لا تحسب من العدة فتتضرر بطول مدة التربص والانتظار.
ب- السنة: حديث ابن عمر رضي الله عنهماأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) (^١).
أما بعد انقطاع الدم وقبل الغسل فيحل الطلاق، وهكذا يبين أنه إذا انقطع الدم لم يحل قبل الغسل غير الصوم، والطلاق، والطهر، والصلاة المكتوبة إذا فقدت المرأة الطهورين.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٥١) ومسلم (١٤٧١).
[ ١٩١ ]
ولا تبدأ العدة إذا طلق الرجل زوجته في أثناء الحيض، لقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]. وبعض القُرء ليس بقرء.
الفرق بين الحيض والجنابة (^١):
ما يحرم على الحائض ونحوها أكثر مما يحرم على الجنب، وهناك فروق أخرى وهي:
١) فالجنب يجوز له أداء الصوم مع الجنابة، ولا يجوز للحائض والنفساء؛ لأن الحيض والنفساء أغلظ من الحدث، وهو معنى قوله ﷺ في تفسير نقصان الدين عند المرأة: (نُقْصَانُ دِينِكُنَّ الحَيْضَةُ، تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ الثَّلَاثَ وَالأَرْبَعَ لَا تُصَلِّي) (^٢).
٢) يقضي الجنب الصلاة والصوم، والحائض ونحوها لا تقضي الصلاة، وإنما تقضي الصوم فقط، لأن الحيض يتكرر في كل شهر، فتخرج في قضاء أيام العادة، ولا حرج في قضاء الصوم؛ لأنه مفروض في السنة مرة.
٣) يحرم قربان المرأة في حالتي الحيض والنفاس، ولا يحرم قربان المرأة التي أجنبت، لقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، ومثل
_________________
(١) المراجع السابقة نفسها.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦١٣) وحسَّنه.
[ ١٩٢ ]
هذا لم يرد في الجنابة، بل وردت الإباحة بقوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) [البقرة: ١٨٧]، أي الولد، فقد أباح المباشرة وطلب الولد بالجماع مطلقًا على الأحوال.
فائدة:
بدن الحائض وعرقها وسؤرها طاهر، ولا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك، ولا وضع يديها في شيء من المائعات.
وأجمع العلماء على جواز مؤاكلة الحائض كالمعتاد دون عزلها. لأن المراد من اعتزالها هو وطؤها. والدليل على ذلك:
أ- عن عائشة ﵂ قالت: (كُنْتُ أَشْرَبُ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ) (^١).
ب- وعن عبد الله بن سعد ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن مؤاكلة الحائض، فقال: (وَاكِلْهَا) (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠٠) وأحمد (٢٤٣٥١) والنسائي (٢٨٢) والعَرْق: العظم الذي عليه بقية اللحم انظر: فتح المنعم شرح صحيح مسلم (٢/ ٢٨٢) ..
(٢) أخرجه أحمد (١٩٠٠٨) وابن ماجه (٦٥١) والدارمي (١١١٣).
[ ١٩٣ ]