النواقض: جمع ناقضة، والنقض: إذا أضيف إلى الأجسام كنقض الحائط: يراد به إبطال تأليفها.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٢٣) وأحمد (٣٤٦٥).
[ ٨٨ ]
وإذا أضيف إلى المعاني كالوضوء: يراد به إخراجها عن إقامة المطلوب بها.
والمعنى الثاني هو المراد هنا، فمعنى ناقص الوضوء: إخراجه عن إفادة المقصود منه، كاستباحة الصلاة بالوضوء (^١).
والنواقض أو المعاني الناقضة للوضوء المبطلة المتفق عليها بين الأئمة الأربعة هي أربعة (^٢):
١ - كل خارج من أحد السبيلين معتاد: كبول، أو غائط، أو ريح، أو مذي، أو مدي، فقط قليلًا كان الخارج أو كثيرًا.
والدليل على نقض الوضوء بالبول والغائط:
١. قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [المائدة: ٦].
_________________
(١) مراقي الفلاح (١/ ١٢٢).
(٢) الفقه الإسلامي (١/ ٢٦٥) مراقي الفلاح (١/ ١٢٢) الدر المختار (١/ ٩٠) الهداية (١/ ١٧) اللباب (١/ ١٧) الإقناع (١/ ٥٩) أنوار المسالك ص (٧٢)، منهاج الطالبين ص (١٠)، نهاية المحتاج (١/ ١٠٨) فتح العلام (١/ ٢٩٢)، بداية المجتهد (١/ ٦٣) حاشية الدسوقي (١/ ١١٤) حاشية العدوي (١/ ١٢٩) الروض المربع ص (٣٨) منار السبيل (١/ ٣٣) الإفصاح (١/ ٦١).
[ ٨٩ ]
٢. عن صفوان بن عسّال ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ) (^١).
والدليل على نقض الوضوء بالريح: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) فقال رجل من أهل حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: (فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ) (^٢).
والدليل على نقض الوضوء بالمذي:
حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَذْيٌ، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ) (^٣).
واختلف الأئمة الأربعة في حكم الأشياء الأخرى التي تخرج من أحد السبيلين.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٩٦) وابن ماجه (٤٧٨) وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٥) ومسلم (٢٢٥).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٢٢١). وصححه الزيلعي في "نصب الراية" ١/ ٣٨
[ ٩٠ ]
٣ - الولادة من غير رؤية دم: وهو الصحيح عند الحنفية، وهو قول الصاحبين (^١) وقالا: أن المرأة لا تكون حينئذ نفساء لتعلق النفاس بالدم ولم يوجد، وإنما عليها الوضوء للرطوبة.
وقال أبو حنيفة: عليها الغسل احتياطًا لعدم خلوه عن قليل دم غالبًا.
٣ - غيبة العقل، أو زواله بالمخدرات أو المسكرات، أو بالإغماء أو الجنون، أو الصرع، أو النوم (^٢).
والسبب في ذلك، لأنه يترتب عليها غالبًا خروج شيء من أحد السبيلين، فيكون ناقضًا للوضوء، لأن زائل العقل لا يشعر بحال، والجنون والإغماء ونحوها أشد تأثيرًا من النوم، والنوم: يذهب معه الحسّ.
والدليل على نقض الوضوء بالجنون والإغماء والسكر ونحوه:
١ قياسًا على النوم، لأن أبلغ في معناه، إذ إن النائم - مهما كان نومه ثقيلًا - ينبته بأقل تنبيه، وأما الجنون أو المغمى عليه أو السكران فإنه لا يتنبه مهما نبه حتى يزول عنه ما هو فيه فلذا كان أولى بالنقص.
_________________
(١) مراقي الفلاح (١/ ١٢٢).
(٢) اختلف الأئمة في مقدار النوم الناقص للوضوء، وأسهل الأقوال قول المالكية والحنابلة حيث قالوا: أن النوم اليسير أو الخفيف لا ينقض، والنوم الثقيل ينقض. انظر: حاشية الدسوقي (١/ ١١٨)، الروض المربع ص (٣٩).
[ ٩١ ]
٢ ويمكن أن يستأنس لهذا بحديث عائشة ﵂ قالت: ثقل (^١) النبي ﷺ فقال: (أَصَلَّى النَّاسُ؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: (ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَب (^٢)، قالت: ففعلنا، فاغتسل، … إلى أن قال: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) (^٣).
والدليل على نقض الوضوء بالنوم.
عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (العَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ) (^٤).
٤ - لمس المرأة: لم يتفق الأئمة في هذا الباب إلا في مسألة واحدة وهي عبارة الحنفية (^٥): ينتقض الوضوء بالمباشرة الفاحشة (^٦)، وهي: التقاء الفرجين مع انتشار العضو بلا حائل يمنع حرارة الجسد، أو هي: أن يباشر الرجل المرأة
_________________
(١) ثقل: اشتد مرضه.
(٢) المخضب: وعاء من خشب أو حجر، التحفة الرضية (١/ ٤٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٥) ومسلم (٤١٨).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٠٣) وابن ماجه (٤٧٧). وقد ذكره ابن السكن في سننه الصحاح، وقد ضعفه غيره. والسّه: حَلْقَةُ الدُّبُر، جَعل اليَقَظَة للاسْتِ كالوِكاء للقِرْبة، كَمَا أَنَّ الوِكاء يَمْنعُ مَا فِي القِرْبة أَنْ يَخْرُج، كَذَلِكَ اليَقظَة تَمْنَع الاسْتَ أَنْ تُحْدِث إِلَّا باخْتيار. (النهاية في غريب الحديث ٥/ ٢٢٢).
(٥) مراقي الفلاح (١/ ١٢٦).
(٦) وهذا القول هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، إذ لا تخلو غالبًا هذه المباشرة عن مذي وهو الناقض، فاعتبر كالنوم احتياطًا، وإقامة للسبب مقام المسَبَّبِ، وإلا فمجرد وجود المباشرة غير ناقض كما هو قول محمد، وأكثر الكتب متضافرة على أن الصحيح المفتى به قول محمد، وعدم ذكر صاحب الهداية لها في النواقض يشعر باختياره. انظر رد المحتار على الدر المختار (١/ ٩٩).
[ ٩٢ ]
بشهوة وينتشر لها، وليس بينهما ثوب، ولم يرَ بللًا.
وغير هذا فقد اختلف فيه الأئمة الأربعة اختلافًا كبيرًا.
[ ٩٣ ]