المكروه عند الحنفية نوعان (^١):
(أ) - مكروه تحريمًا: وهو ما كان إلى الحرام أقرب، وتركه واجب، وهو المراد عندهم حالة الإطلاق.
(ب) - مكروه تنزيهًا: وهو ما كان تركه أولى من فعله، أي خلاف الأولى، وكثيرًا ما يطلقونه، وعلى هذا إذا ذكروا مكروهًا فلا بد من النظر في دليله، فإن كان نهيًا ظنيًا يُحكم بكراهة التحريم إلا لصارف عن التحريم إلى الندب، وإن لم يكن الدليل نهيًا بل كان مفيدًا للترك غير جازم، فهي تنزيهية.
ولم يفرق الجمهور غير الحنفية بين نوعي الكراهة، ويراد بها عندهم: التنزيهية.
ويكره للمتوضئ ضد ما يستحب من الآداب فلا حصر لها بعدها فمنها ما اتفق عليها الأئمة الأربعة وهي ثمانية (^٢).
١ - الإسراف في صب الماء: بأن يستعمل من فوق الحاجة الشرعية، أو ما يزيد عن الكفاية، وهذا إذا كان الماء مباحًا أو مملوكًا للمتوضئ، فإن كان
_________________
(١) رد المحتار على الدر المختار ج ١/ ٨٩، الفقه الإسلامي ج ١/ ٢٦١.
(٢) الفقه الإسلامي (١/ ٢٦١)، مراقي الفلاح (١/ ١٦١)، الدر المختار (١/ ٨٤) الإقناع (١/ ٥٢)، فتح العلام (١/ ٣١٥) أنوار المسالك ص (٢٨)، منهاج الطالبين ص (١٣)، نهاية المحتاج (١/ ١٧٧) حاشية الدسوقي (١/ ٩٩) حاشية العددي (١/ ١٨٢) الروض المربع ص (٢٨) منار السبيل (١/ ٢٧).
[ ٨٤ ]
موقوفًا على الوضوء منه كالماء المعد للوضوء في المساجد، فالإسراف فيه حرام.
ومن الإسراف: الزيادة على ثلاث في الغسالات.
والدليل على الكراهة: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثًا ثلاثًا، وقال: (هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ) (^١).
والكراهة تنزيهية حتى عند الحنفية، إلا إذا اعتقد أن ما زاد على الغسلات الثلاث من أعمال الوضوء، فتكون الكراهة حينئذ تحريمية عندهم.
وذكر ابن عابدين في حاشيته (^٢) أن الكراهة مطلقًا تنزيهية، فإن زاد للنظافة أو للطمأنينة أو قصد الوضوء على الوضوء بعد الفراغ منه فلا كراهة.
٢ - لطم الوجه أو غيره بالماء:
والكراهة تنزيهية، لأنه يوجب انتضاح الماء المستعمل على ثيابه، وتركه أولى، وهو أيضًا خلاف التؤدة والوقار، فالنهي عنه من الآداب.
٣ - التكلم بكلام الناس: والكراهة تنزيهية، لأنه يشغله عن الأدعية
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦٦٨٤) وأبو داود (١٣٥). قال محققو المسند: صحيح.
(٢) رد المحتار على الدر المختار (١/ ٨٩).
[ ٨٥ ]
حتى عند الشافعية كما قال صاحب الإقناع (^١).
٤ - الاستعانة بالغير بلا عذر: وقد عرفنا أن الثابت في السنة جواز المعاونة في الوضوء، لكن حُمل ذلك على حالة العذر، لأن الضرورات تبيح المحظورات. والدليل على ذلك: حديث ابن عباس ﵄ قال: (كانَ رسولُ اللهِ ﷺ لَا يَكِلُ طَهُورُهُ إِلَى أَحَدٍ) (^٢).
والدليل على الأصل وهو الجواز في المعاونة حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، وأنه ذهب لحاجة له، وأن المغيرة جَعَلَ يصب الماء عليه وهو يتوضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين (^٣).
٥ - التوضؤ في موضع نجس: لئلا يتنجس منه، وزاد الحنفية (^٤): التوضؤ بفضل ماء المرأة أو في المسجد إلا في إناء أو في موضع أعد لذلك، وإلقاء النخامة والاتخاط في الماء.
٦ - مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق مخافة أن يفسد صومه: والدليل على الكراهة عن لقيط بن صبرة قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن
_________________
(١) الإقناع للشربيني الخطيب (١/ ٥٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٢).
(٣) أخرجه البخاري (٣٨١) وأحمد (١٨١٤١).
(٤) الدر المختار ج ١/ ٩٠.
[ ٨٦ ]
الوضوء؟ قال: (أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) (^١).
٧ - ترك سنة من سنن الوضوء، السابق بيانها في ما مضى، وهو ترك ما واظب عليه النبي ﷺ أو الخلفاء الراشدون من بعده، فيستحق على من تركها بلا عذر حرمان الشفاعة، لقوله ﵊: (فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (^٢).
٨ - الوضوء بفضل طهور المرأة إذا استقلت به (^٣). فإن اشترك الرجل معها فلا بأس، والدليل على الكراهة عن الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ أن رسول الله ﷺ (نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ) (^٤) ودلالة الحديث على عدم الجواز، ولكن القول بالكراهة للأدلة الدالة على الجواز، فجمع بين أدلة الجواز وعدمه إلى الكراهة التنزيهية.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٧٨٨) وأبو داود (١٤٢) وابن ماجه (٤٠٧). قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه: حديث صحيح. وإسناد ابن ماجه حسن.
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١).
(٣) وهناك قول آخر لأحمد: أنه لا يجوز، أما ما اختاره الأئمة الثلاثة فهو الكراهة فقط فيتفق الثلاثة مع القول الأول للحنابلة وليس في القول الثاني انظر منار السبيل ج ١/ ٩.
(٤) أخرجه الترمذي (٦٤) وأبو داود (٨٢) وقال الترمذي: حسن صحيح. قال المَرْدَاوِيُّ: مَنْعُ الرجل من استعمال فضل طهور المرأة تعبدي لا يعقل معناه.
[ ٨٧ ]
ومن أدلة الجواز: عن ابن عباس ﵄ عن ميمونة ﵄ (أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ بِفَضْل غُسْلِهَا مِنَ الْجَنَابَةِ) (^١).