الحمد لله رب العالمين، أكمل الحمد على كل حال، والصلاة والسلام الأتمّان على سيد المرسلين كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه وسائر النبيين، وسائر الصالحين، نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون.
أما بعد:
فلمّا كان الفقه الإسلامي من أشرف العلوم منزلة، وأعلاها رتبة، وأرفعها درجة، وأولاها قربًا، وأكثرها ثوابًا وأجرًا، حثَّ الله ﷿ عليه في قوله:
(فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [سورة التوبة: ١٢٢].
وكذلك قوله صلوات الله عليه: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) (^١).
ثم إن الكثير من العلماء ألَّفوا حول خلافات الفقهاء في مسائل الفقه، وجمعوا ذلك في كتب كثيرة ككتاب: (اختلاف العلماء) لمحمد بن نصر المروزي وغيره (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧).
(٢) هو الإمام محمد بن نصر بن الحجا المروزي شيخ الإسلام، ولد ببغداد سنة (٢٠٢ هـ). قال أبو بكر الخطيب فيه: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام، توفي سنة (٢٩٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٣).
[ ٩ ]
فساقتني عناية المولى أن أجمع بحثًا يضم فيه مسائلهم التي اتفقوا عليها، فإن الشيء إذا ضُمَّ إلى شكله، وقُرِن بنظيره، سَهُلَ حفظه، وأَمكن طَلبه، وقَرُب تناوُله، ووَضُحَ خطأُ من خالف الحق به، ولم يتَعَنَّ المتخصّصون في البحث عن مكانه عند تنازعهم فيه، وكي لا يُدَّعى خلافٌ في مسائله مما لا خلاف فيه أصلًا، وحرصًا على ضبط المتفق عليه فيما بين المسائل الفقهية المختلف فيها، وبعد البحث والدراسة فيمن أَلَّف في بحثي هذا من قبل، لم أجد إلا كتابين جُمعت فيهما المسائل الفقهية المتفق عليها، وهما: (الإجماع): لابن المنذر النيسابوري (^١)، و(مراتب الإجماع): لابن حزم الظاهري (^٢).
وكلاهما لم يُفصِّلا في هذه المسائل، ولم يذكرا فروعها، ولم يبوبا لها؛ فكتاب الإجماع مثلًا: جمع ما يقارب أربعين اتفاقًا، بينما أتيتُ ببحثي هذا بأضعاف هذا العدد، وكذلك حال كتاب (مراتب الإجماع) (^٣).
_________________
(١) هو العلامة محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، ولد سنة (٢٤٢ هـ)، وتوفي بمكة سنة (٣١٨ هـ) وصنف في اختلاف العلماء كتبًا لم يصنف أحد مثلها، وكان من عظماء الشافعية وأئمة المسلمين وكان يقال له: (الباز الأشهب). (طبقات الفقهاء ٢/ ١١٨).
(٢) هو الإمام الحافظ العلامة علي بن سعيد بن حزم الظاهري، ولد بقرطبة سنة (٣٨٤ هـ). كان ابن حزم كثير الوقعية في العلماء بلسانه وقلمه، فأورثه ذلك حقدًا في قلوب أهل زمانه، وما زالوا به حتى بغضوه إلى ملوكهم، فطردوه عن بلاده، حتى كانت وفاته في قرية له في شعبان وقد جاوز التسعين. (البداية والنهاية ١٢/ ١١).
(٣) ومن الكتب المعاصرة الحديثة كتاب "موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي" للأستاذ سعدي أبو جيب.
[ ١٠ ]
ثم إني إضافة إلى ذلك أوردت مع كل اتفاق في هذه المسائل دليلًا من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، وقلما أترك الدليل، بينما كتاب (الإجماع)، و(مراتب الإجماع) لم يأتيا بالأدلة إطلاقًا.
وتتميمًا للفائدة أشرت في بعض الأحيان إلى المسائل التي اختلفوا فيها تنبيهًا للقارئ عليها، وقد ذُكر مثل هذا في كتاب (مراتب الإجماع)، وليس في كتاب (الإجماع)، راجيًا بذلك جزيل الأجر من الله ﷿، فإن المنفعة بجمع هذه المسائل جليلة جدًا.
منهجي في هذا البحث:
١ - جمع المسائل التي تم الاتفاق عليها بين الأئمة الأربعة، وهم: (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد)، أو أصحاب مذاهبهم المفتى بقولهم بها، رضوان الله عليهم أجمعين، ليُعرف أنَّ ما عدا ذلك قد وقع فيه خلاف، مقتصرًا في ذلك على قسم الطهارات فقط.
٢ - الاستشهاد على ذلك بالأدلة النقلية في كتاب الله ﷿، وسنة رسول الله ﷺ، وآثار الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أتعرض لبعض التعليلات العقلية، والاستدلالات القياسية.
٣ - قد يكون في المذهب قولان فاختار المفتى به وأودعه مع أقوال الأئمة الآخرين، فإن وافقهم وإلا أخذت بالقول الآخر في بعض المسائل، وبيّنت في
[ ١١ ]
الحاشية أخذي بالقول غير المشهور أو المفتى به، حرصًا على الاتفاق وتقليلًا من الخلاف.
٤ - نصصت على بعض المسائل المهمة المختلف فيها ذاكرًا أنهم اختلفوا فيها، فإن كان المخالف واحدًا ذكرت من هو المخالف في الحاشية، مختصرًا في ذلك، مع عزو نقلي إلى مرجعه في غالب المسائل، وإن كان المخالف اثنين والمتفق اثنين، أقتصر على قولي: (اختلفوا إلى فريقين)، وإلا أقتصر على قولي: (اختلفوا في كذا).
٥ - وضعت تعاريف للأشياء مختارًا فيها تعريفًا واحدًا لبعض الأئمة أو أكثر، دون النظر فيما اتفقوا عليه أو لا، لأن تعاريف الفقهاء لها متقاربة.
٦ - عزو آراء المذاهب إلى أصحابها، وتوثيقها من مصادر المذهب المعتمدة.
٧ - جعلت ذلك في فصول وأبحاث ومطالب، تسهل على الدارسين والباحثين قراءتها ومراجعتها.
٨ - تخريج الآيات القرآنية، بتعيين السورة التي ذكرت فيها، ورقمها بين آياتها.
٩ - تخريج الأحاديث النبوية الشريفة، والآثار المروية عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.
١٠ - بيان معاني الألفاظ الغريبة، والمصطلحات الفقهية.
[ ١٢ ]
١١ - وضعت كشافات فنية للآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة، والمصادر والمراجع، ولما كانت نصوص البحث خالية من آثار الصحابة والتابعين في أكثر الأحيان لم أجد موجبًا لوضع فهرسة خاصة بها.
وختامًا:
فقد بذلت غاية الجهد في إخراج هذا البحث بصورة عملية عِلمية لتكون رسالة تخرج لنيل شهادة معهد الفتح الإسلامي.
فإن أصبتُ فمن الله ﷿ وتوفيقه، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم، وأبرأ إلى الله تعالى من حولي وقوتي إلى حول الله وقوته، ورحم الله أمرأً أهدى إليَّ عيوبي وبصَّرني بأخطائي.
والله تعالى أسأل، أن يجعلها في ميزان الحسنات، والصحائف الصالحات، ويتولاّنا بفضله، ويمنُّ علينا بكرمه، ويجعلنا من السابقين، والقليل الآخرين، إنه أكرم مسؤول، ومنه التفضل بالقبول.
قال سعد الشيرازي:
والعفوُ إنْ كانَ على قدْر الكرمْ … فكُلُّ ذنبٍ سوفَ يمحوهُ القَلَمْ
وإنْ تكُنْ منْكَ على قدْرِ الغضبْ … فالظلمُ يُمحى والمصيرُ للّهبْ
ماليَ أعمالٌ بها أستشفعُ … ولم يكنْ إلا إليكَ المفزعُ
[ ١٣ ]
بضاعتي يا ربُ مُزجاةٌ فما … جئتُ بها لكنْ أتيتُ مسلمًا
والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمينْ
عبد الله نذير قشلان
[ ١٤ ]
الفصل الأول: الطهارة
وفيه ثمانية مباحث
المبحث الأول: معناها.
المبحث الثاني: أهميتها.
المبحث الثالث: شروط وجوب الطهارة.
المبحث الرابع: أنواع المطهرات.
المبحث الخامس: أنواع المياه.
المبحث السادس: حكم الأسآر.
المبحث السابع: حكم الآبار
المبحث الثامن: أنواع الأعيان الطاهرة.
[ ١٥ ]