وهو الذي وقعت فيه نجاسة غير معفو عنها، مثل قليل الأرواث، وكان الماء راكدًا (غير جارٍ) قليلًا (^٢)، وأما الماء الجاري فينجس بظهور أثر النجاسة فيه، والأثر: طعم النجاسة أو لونها أو ريحها.
وبذلك يكون الماء المتنجس نوعين:
الأول: ما كان طهورًا قليلًا، ووقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه، إلا ما يعفى عنه كميتة ما لا دم له سائلة مثل الذباب والنمل إذا وقع بنفسه أو ألقته الرياح (^٣).
الثاني: ما كان طهورًا كثيرًا وقعت غير نجاسة غيرت أحد أوصافه الثلاثة.
والمتنجس عند أكثر الفقهاء لا ينتفع به، ولا يستعمل في طهارة ولا في غيرها، إلا في نحو سقي بهيمة أو زرع، أو في حالة ضرورة كعطش.
_________________
(١) الفقه الإسلامي (١/ ١٢٦) مراقي الفلاح (١/ ٦٩)، الهداية (١/ ٢١)، شرح فتح القدير (١/ ٦٤)، الدر المختار (١/ ١٢٥) منهاج الطالبين ص (٩)، نهاية المحتاج (١/ ٧٤ - ٧٥)، الإقناع (١/ ٢٥ - ٢٦)، أنوار المسالك ص (١٢)، بداية المجتهد (١/ ٥١) حاشية العدوي (١/ ١٦٠ - ١٦١). الروض المربع ص (٢٠)، منار السبيل (١/ ١٢).
(٢) وهناك خلاف في حد قلة الماء وكثرته بين الأئمة الأربعة.
(٣) وهناك قول ثان للمالكية بأنه طاهر ولكنه مكروه، فيخرق هذا القول الاتفاق. انظر بداية المجتهد (١/ ٥١).
[ ٢٨ ]
الأدلة:
والدليل على نجاسة الماء إذا كان الماء قليلًا.
١ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ تَغْتَسِلْ مِنْهُ) (^١). فقد أمر رسول الله ﷺ بحفظ الماء من النجاسة وهذا نهي، والنهي عن الشيء أمر بضده.
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ)، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: (يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا) (^٢).
والدليل على نجاسة الماء الكثير إذا تغير أحد أوصافه حديث أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ) (^٣).
والحديث وإن كان ضعيفًا - رغم تعدد طرق - قواه إجماع الأمة على مضمونه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٢) وأحمد (٨١٨٦).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٨٣) وابن ماجه (٦٠٥).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٥٢١) والدار قطني (٤٥).
[ ٢٩ ]
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء القليل أو الكثير، إذا وقعت غير نجاسة، فغيرت طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس (^١).
_________________
(١) التحفة الرضية (١/ ٥٨). قال الشوكاني بعدما ذكر طرق الحديث وتبين ضعفها: قال في البدر المنير: فتلخص أن الاستثناء المذكور " إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ "ضعيف، فتعين الاحتجاج بالإجماع كما قال الشافعي والبيهقي وغيرهما. يعني الإجماع على أن المتغير بالنجاسة ريحًا أو لونًا أو طعمًا نجس. انتهى نيل الأوطار ١/ ٣٥.
[ ٣٠ ]