لم يكتف البحث بمسائل الفقه القديمة، بل تعرض البحث لكل ما يمكن عرضه من المسائل المعاصرة وقام بدراسة كل ما يمكن دراسته والوقوف عليه فيما كتب في هذه المسائل النازلة كالرجوع إلى الرسائل العلمية المطبوع منها وغير المطبوع، ومتابعة البحوث المنشورة في المجلات المتخصصة، والرجوع إلى بحوث المجامع الفقهية الإسلامية، ومتابعة فتاوى اللجان الشرعية في
[ ١ / ٢٧ ]
المصارف الإسلامية، وقرارات ندوة البركة الخ. والاستفادة مما قرروه في هذه المسائل، لأتوصل بذلك إلى أمور منها:
* قمت بترقيم المسائل المعاصرة، ورمزت لها كالتالي (ن - رقم) فالنون اختصار لكلمة نازلة، يعقبها رقمها التسلسلي.
* توصيف المسألة من الناحية الفقهية وذلك بتحرير: هل المسألة معاملة مستحدثة، أو يمكن تخريجها على العقود المسماة في الفقه الإسلامي.
* حصر الأقوال الواردة في المسألة.
* عرض أدلة كل قول بعبارة واضحة مختصرة ما أمكن.
* إذا كان القول قد ورد عليه اعتراض أوردت ذلك الاعتراض، فإن كان الاعتراض قويًا قبلته، وإن كنت أرى أن الاعتراض غير وجيه قمت بالإجابة عنه، ومناقشته مناقشة علمية مع اتباع الأدب الواجب مع أهل العلم والفضل.
* تقديم القول الأقوى على القوي، والقوي على الضعيف.
* عرض النازلة على القواعد الفقهية المسلمة، وعدم الخروج على تلك القواعد أو كسر المسلمات الفقهية تحت أي ضغط من الضغوط.
* الاعتدال في الترجيح بين هذه الأقوال، فلا التشدد محمود، ولا التساهل وعدم الانضباط وكسر المسلمات مقبول كذلك.
* عرض هذه النازلة في مظانها في البحث وعدم إبرازها كمسألة مستقلة، وذلك يحقق فوائد منها:
أولًا: أن اتصاف المعاملة بالمعاصرة اتصاف نسبي، فالمعاملات المالية من طبيعتها التجدد، وقد تكون المعاملة معاصرة اليوم، وغدًا تكون قديمة بالنسبة إلى غيرها.
[ ١ / ٢٨ ]
ثانيًا: اختلاف العلماء في بعض المعاملات، هل هي من العقود المسماة (العقود القديمة) أو من العقود المستحدثة، وفي أحيان كثيرة يكون اعتبارها من العقود المعاصرة ناتجا عن إحداث اصطلاح لها لم يكن معروفًا، وذلك مثل عقد التوريد، أو عقد المقاولة ونحوهما، فكوننا نذكر المسألة مع نظائرها أضبط وأفضل من جعلها في مباحث مستقلة من غير ربط بينها وبين مسائل الفقه الأخرى.
ثالثًا: ربط هذه المسألة النازلة بالمسائل القديمة يجعل القارئ يعرف دواعي الإباحة من التحريم في هذه النازلة، فمثلًا عقد التأمين، أوردته في مباحث الغرر، والغرر منه ما هو سائغ ومنه ما هو ممنوع ولم أذكره في عقود الربا. وعقد الحوافز التجارية، أوردته في مباحث القمار، وإن كان الأصل في الحوافز الحل والإباحة.
والاسم التجاري وحق المؤلف وبراءة الاختراع أوردته في مالية المنافع.
وعند الكلام على قبض المبيع أذكر المعاملات القديمة، ثم ألحق بها بعدها قبض المسائل المعاصرة، وذلك مثل: قبض الأسهم، والقبض عن طريق القيد المصرفي، وقبض الشيك، وقبض الأوراق التجارية، والشراء بالبطاقات الائتمانية فيما يشترط لصحته القبض، وهكذا الشأن في جميع المعاملات المالية المعاصرة. وهكذا في كل مسائل البحث.
رابعًا: المعاملة الواحدة قد أتعرض لها في أكثر من مناسبة فقهية، فإما أن تكرر الأبواب الفقهية تارة مع المسائل الفقهية القديمة، وتارة مع المسائل المعاصرة، أو توحد الأبواب وتذكر تحت كل باب ما يدخل فيه من المعاملات القديمة والمعاصرة، وقد رأيت أن توحيد الأبواب أفضل، وإن تكررت المسألة المعاصرة في أكثر من مناسبة مختلفة، فعند الكلام على قبض المبيع أورد كل ما
[ ١ / ٢٩ ]
يتعلق بقبض المبيع من عقار ومنقول، وقديم ومعاصر، فأتكلم مثلًا عن قبض الأوراق التجارية عند الكلام على قبض المبيع، وعند الكلام على بيع الديون أورد مثلًا حكم خصم الأوراق التجارية، وهكذا.
خامسًا: أن فهم المعاملات المعاصرة لا يمكن أن يكون سليمًا دون فهم المعاملات القديمة؛ لأن المنع والإباحة في المعاملات المالية قائمان على دواع من المحاذير والمناهي والقواعد والضوابط منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه، ولا يمكن أن يستوعب باحث معاملة معاصرة دون الاستعانة بتلك القواعد والضوابط، وما جاء الخلل في بعض البحوث المعاصرة إلا لعدم استيعاب مثل تلك القواعد.
ـ النظر في قرارات المجامع الفقهية، والاستفادة منها، وهي قرارات فيها خير كثير، وبحوث لأهل العلم والفضل إلا أن الصواب فيها أغلبي، وليس بلازم، وهذه القرارات يحتج لها، ولا يحتج بها.