محل الخلاف إنما هو في النهي المطلق الخالي من القرائن، أما إذا اقترن بالنهي قرينة تدل على أن النهي للفساد، أو اقترن به ما يدل على أن النهي ليس للفساد، فلا خلاف بينهم في حمل النهي على ما دلت عليه القرينة (^٣).
[م - ٥] وقد اختلف أهل العلم في النهي المطلق، هل يدل على فساد المنهي عنه على أقوال:
فقيل: النهي المطلق يدل على الفساد مطلقًا، وهو مذهب الجمهور (^٤).
_________________
(١) شرح العمدة (٤/ ٥١٠).
(٢) حاشية الدسوقي (٣/ ٥٤).
(٣) البحر المحيط (٢/ ٤٥٢).
(٤) قال الباجي في إحكام الفصول (١/ ٢٣٤): «النهي عن الشيء يقتضي فساد النهي عنه، وبهذا قال القاضي أبو محمد، وجمهور أصحابنا ». وانظر الخرشي (٥/ ٦٧ - ٦٨)، أنوار البروق في أنواع الفروق (٢/ ١٨٣). وقال الآمدي في الإحكام (٢/ ٤٣٢): «اختلفوا في النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لأحكامها، كالبيع، والنكاح، ونحوهما، هل يقتضي فسادها أولا؟ فذهب جماهير العلماء إلى فسادها». وقال مثله الغزالي في المستصفى (ص: ٢٢١). وانظر العدة (٢/ ٤٣٢)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٨٥).
[ ١ / ٦٩ ]
وقيل: لا يدل عليه مطلقًا (^١).
قال في الإحكام: «وهو اختيار المحققين من أصحابنا، كالقفال وإمام الحرمين وكثير من الحنفية» (^٢)، واختاره الغزالي (^٣).
وقيل: النهي يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات (^٤).
وقيل: إن عاد النهي لذات المنهي عنه، كالدم، والميتة، والخنزير، أو عاد النهي لوصف ملازم له، كالإسكار في الخمر، فالنهي يقتضي الفساد.
وإن عاد النهي إلى غير ذات الشيء، وإلى غير وصف ملازم له، وإنما لأمر خارج عنه، كان مقتضاه الكراهة، كالبيع بعد نداء الجمعة، والصلاة في الدار المغصوبة، والذبح بسكين مسروقة (^٥).
_________________
(١) انظر المحصول (٢/ ٢٩١)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٩٤).
(٢) الإحكام (٢/ ١٨٨).
(٣) المستصفى (ص: ٢٢١).
(٤) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٥٣١)، المعتمد (١/ ١٧١)، المستصفى (ص: ٢٢١)، العدة (٢/ ٤٣٢)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٨٥)، وقال ابن اللحام في كتابه القواعد (٢/ ٦٩٩): «الثالث: وهو المختار في المحصول، والمنتخب، وغيرهما، وقال أبو الحسين البصري: يدل عليه في العبادات دون المعاملات». وانظر إرشاد الفحول (١/ ٤٩٩ - ٥٠٠).
(٥) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٣/ ٥٤)، وعلل به ابن قدامة في المغني (٤/ ١٤٨ - ١٤٩) في مسائل منها: بيع الناجش، وتلقي الجلب، وبيع الحاضر للباد، فإنه صحح هذه البيوع مع التحريم، وقال: «إن النهي عائد إلى الناجش لا إلى العقد، فلم يؤثر في البيع، ولأن النهي لحق الآدمي، فلم يفسد العقد، كتلقي الركبان، وبيع المعيب، والمدلس ».
[ ١ / ٧٠ ]
والأقوال في هذه المسألة كثيرة، وهذه هي أهم الأقوال، وقد أوصل الزركشي الأقوال في هذه المسألة إلى تسعة أقوال (^١).
وفي كتب الفروع تجد في الكتاب الواحد مسائل كثيرة يحكمون عليها بالبطلان؛ ويعللون الحكم بأن الأصل في النهي الفساد، ثم تأتي مسائل أخرى لا يقولون فيها بالبطلان، مع أنه مقتضى التعليل السابق، وبعضهم يدعي أنها خرجت بدليل، وفي كثير منها نظر (^٢).
وهذه المسألة من المباحث الأصولية، وقد أشرت إلى أهم الأقوال، والله أعلم.