ذكر أصحاب هذا القول بأن الأدلة قد قامت على أن النهي إذا لم يتناول معنى في نفس العقد أو القربة المفعولة أو ما هو من شروطها التي يخصها لم يمنع جواز ذلك، نحو البيع عند أذان الجمعة وتلقي الجلب وبيع حاضر لباد ومثل الصلاة في الأرض المغصوبة والطهارة بماء مغصوب وغسل النجاسة به والوقوف بعرفات على جمل مغصوب، وكون الفعل فيها منهيًا عنه في هذه الصفة لا يمنع من القول بصحته؛ لأن النهي عنها لم يتناول معنى في نفس المفعول وإنما تناول معنى في غيره وكون الإنسان مرتكبًا للنهي عاصيًا في غير المعقود عليه لا يمنع وقوع فعله موقع الصحة والدليل على صحة ما ذكرنا: أن الرجل في الصلاة لو رأى رجلًا يغرق وقد كان يمكنه تخليصه أنه منهي عن المضي في هذه الصلاة، ومأمور بتخليص الرجل، فإن لم يفعل، ومضى في صلاته، كانت صلاته مجزئة، ولولا أن ذلك كذلك لقلنا: لا يجوز له فعل الصلاة.
[ ١ / ٧٦ ]
وفي اتفاق المسلمين على صحة صلاة من هذا وصفه دلالة على أن النهي إذا لم يتعلق بمعنى في نفس العقد، أو في نفس القربة المفعولة، أو بما هو من شروطها التي تختص بها، أنه لا يمنع صحة العقد، ووقوع القربة موقع الجواز، ألا ترى أن تخليص الرجل من الغرق ليس من الصلاة، ولا من شروطها في شيء. ألا ترى أن من عليه تخليص الغريق لو اشتغل بالصلاة أيضا كان عاصيًا في اشتغاله عن تخليصه وأن أذان الجمعة ليس من نفس البيع، ولا من شرطه، فلم يفسد البيع من أجله، وإن كان منهيًا عنه؛ لأن المعنى فيه الاشتغال عن صلاة الجمعة لا البيع؛ لأنه لو لم ينعقد البيع في ذلك الوقت، واشتغل بغيره كان النهي قائما في اشتغاله بغير الصلاة فعلمت أن النهي إنما تناول الاشتغال عن الجمعة، لا البيع نفسه، وكذلك النهي عن تلقي الجلب وبيع حاضر لباد إنما هو لأجل حق الغير، لا لأجل البيع، وكذلك في استيام الرجل على سوم أخيه، أنه منهي عنه ولو عقد البيع على هذا الوجه كان العقد صحيحًا مع كونه منهيا عنه؛ لأن النهي عنه إنما تعلق لحق المساوم، لا بالعقد نفسه. ونظائر ذلك كثيرة وفيما ذكرنا تنبيه على المعنى في أشباهه فصار ما ذكرنا أصلا في هذه المسائل (^١).