هناك أشياء نهى عنها الشارع وصححها لوجود قرينة، كالنهي عن تلقي الجلب، ومع ذلك أثبت للبائع الخيار إذا أتى السوق، ونهى عن التصرية، وأثبت للمشتري الخيار إذا وقع البائع في النهي، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع فيهما، فدل ذلك على أن التحريم والصحة قد يجتمعان، ولا تلازم بين النهي والفساد، وإذا كان لا تلازم بين النهي والفساد، لم تكن صيغة النهي وحدها دالة على الفساد، وإنما تدل على التحريم، والممنوع أن يكون الشيء منهيًا عنه، ومأمورًا به في ذات الوقت، فيمتنع أن يقال: حرَّمت عليك الطلاق في حال الحيض، وأمرتك به، وأبحته لك، وأما إذا قال: حرَّمت عليك الطلاق في الحيض، فإن فعلت فقد وقع الطلاق، وأنت آثم، وحرمت عليك الصلاة في الثوب المغصوب، فإن فعلت صحت الصلاة، وأنت آثم، فشيء من هذا ليس بممتنع (^١). فدل على أن النهي لا يقتضي الفساد.
وأجيب بجوابين:
الأول: ما ذكره ابن تيمية من أن الطلاق في حال الحيض قد وقع فيه نزاع في
_________________
(١) المستصفى (ص:٢٢١).
[ ١ / ٧٥ ]
وقوعه، وليس في المسألة إجماع على أن الطلاق يقع، وأما تلقي الجلب، وبيع المصراة، ونحوها فلا يقال: البيع صحيح، ولا فاسد حتى يجيزه من له الحق، فإذا أسقط الآدمي حقه، فله ذلك، وقد نقلنا كلام ابن تيمية في الجواب عن هذه المسائل في الدليل الرابع من القول السابق، فانظره.
الجواب الثاني:
أن يقال: لو لم يوجد قرينة دالة على صحة البيع في تلقي الجلب، وبيع المصراة لم نقل بصحته، ونحن لا نمانع من القول بالصحة إذا وجدت قرينة دالة على ذلك، وإنما الكلام في النهي المطلق الخالي من القرائن، فكما يقال: الأصل في النهي التحريم، فإذا وجدت فيه قرينة على أن النهي للكراهة صرفنا النهي عن أصله، فكذلك الأصل في النهي الفساد، فإذا وجدت قرينة تدل على الصحة صرفناه عن أصله.