قوله: «ما يميل إليه الطبع» خرج بذلك لحم الميتة.
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٥٦٣).
(٢) مجلة المجمع الفقهي (٥/ ٢٤٧٥).
(٣) كشف الأسرار (١/ ٢٦٨)، البحر الرائق (٥/ ٢٧٧)، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (٤/ ٥)، حاشية ابن عابدين (٤/ ٥٠١).
(٤) درر الحكام شرح مجلة الأحكام (١/ ١١٥ - ١١٦) المادة ١٢٦.
[ ١ / ١١٣ ]
وقوله: «يمكن ادخاره لوقت الحاجة» خرج بذلك شيئان:
أحدهما: ما لا يمكن ادخاره لحقارته كحبة حنطة مثلًا، فلا تعتبر مالًا.
وثانيهما: خرج بقوله ما يمكن ادخاره المنافع والديون، فإنهما لا يمكن ادخارهما، وبالتالي لا تعتبر مالًا عند الحنفية (^١).
وقد يؤخذ من قوله (ما يمكن حيازته وادخاره) إطلاق المال على الشيء الذي يقبل الحيازة والادخار، ولو كان ذلك قبل حيازته كالسمك في الماء، والطير في الهواء؛ لأنه قال: مما يمكن حيازته، ولم يشترط الحيازة الفعلية.
وكنت أظن أن الحنفية يقصدون بالادخار الإحراز، وليس الادخار المعروف في باب الزكاة، وذلك لأن هناك من الأعيان ما هو مال، ولا يمكن ادخاره كبعض أنواع البقول والخضر والفواكه، ولكن هذا التفسير يعكر عليه قولهم في تبيين الحقائق: «المال عبارة عن إحراز الشيء، وادخاره لوقت الحاجة في نوائب الدهر» (^٢).
_________________
(١) انظر المرجع السابق.
(٢) تبييين الحقائق (٥/ ٢٣٤)، وعرفه بعض الحنفية بقوله: المال: هو الشيء الذي خلق لمصالح الآدمي، ويجري فيه الشح والضنة. انظر كشف الأسرار (١/ ٢٦٨). وعرفه محمد بن الحسن بأن «المال كل ما يمتلكه الإنسان من نقد وعروض وحيوان» انظر البحر الرائق (٢/ ٢٤٢)، وذكر صاحب كتاب العناية شرح الهداية تعريف محمد هذا بشيء من التفصيل، فقال: «المال كل ما يتملكه الناس من دراهم أو دنانير، أو حنطة أو شعير، أو حيوان أو ثياب، أو غير ذلك». وهذا التعريف قريب من التعريف اللغوي بإطلاق المال على العروض باختلاف أنواعها، وعلى الحيوان، فإن كان ذكر النقد والعروض والحيوان على سبيل الحصر، فهو تعريف يتمشي مع جمهور الحنفية الذين يرون المنافع ليست داخلة في مسمى المال، وإن كان ذكرها على سبيل المثال فهو لا يمنع من دخول المنافع؛ لأنها من جملة ما يملكه الإنسان، لكن يبقى مخالفًا لتعريف جمهور الحنفية، وحمل التعريف على ما يتمشى مع تعريف المذهب أولى، والله أعلم. ويمكن أن يقال: إن في التعريف زيادة على تعريفات الحنفية، فقوله: «المال كل ما يمتلكه الإنسان» هل أراد أن الشيء لا يكون مالًا حتى يكون مملوكًا كما هو مقرر في اللغة، فالطير في الهواء والسمك في البحر لا يعتبر مالًا قبل تملكه، فالمعروف من تعريفات الحنفية أنهم لا يشترطون تملك العين، بل يكفي إمكانية إحرازه وتملكه، وكما قلنا سابقًا كل ما أمكن حمل التعريف ليوافق بقية التعريفات في المذهب أولى من حملها على الاختلاف، فنقول: إن هذه التعريفات متقاربة، وهي لا تعبر عن اختلاف بين أراء قائليها، وإنما هو اختلاف في العبارة فحسب، والمراد عندهم واحد
[ ١ / ١١٤ ]
فجعل الإحراز غير الادخار.
فتبين من هذا أن الحنفية يشترطون لتحقيق المالية في الشيء أمرين:
الأول: أن يكون الشيء مما يمكن حيازته وادخاره، فالمنافع كسكنى الدار، وركوب الدابة لا تعتبر مالًا؛ لأن المنافع لا يمكن حيازتها وادخارها.
وكذلك الديون لا تعتبر مالًا وهي في الذمة حتى تقبض، فإذا قبضت أمكن حيازتها. وسيأتي مزيد بحث لمالية المنافع والديون إن شاء الله تعالى.
الثاني: أن يكون الشيء مما له قيمة مادية بين الناس، فيخرج بذلك حبة القمح والأرز، فإنه لا ينتفع بها وحدها عادة.