بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة السلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آل بيته، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فإن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى نظام مالي يبشر الناس بإقامة العدل فيما بينهم، ويحفظ لهم أموالهم، ويحصنهم من الكوارث والهزات التي تصيب أسواقهم وتجارتهم، ويمنع الاحتكار والاستغلال، ويردع المتلاعبين، ويعمل بتوازن بين المحافظة على أسواق المسلمين من جهة، وبين حماية حق المستهلك، وحاجته إلى السلع من جهة أخرى.
إن على الفقهاء اليوم مسئولية كبيرة بتقديم النظام الإسلامي إلى البشرية باعتبار أن العدل قيمة إنسانية ضرورية يطلبها كافة الناس وعقلاؤهم، وهذا النظام الإسلامي يتمتع بمرونة عالية جدًا، من ذلك:
(١) أن النظام المالي الإسلامي قائم على الأخلاق، ومراقبة الخالق، قال ﷺ: من غشنا فليس منا. رواه مسلم (^١).
والمسلم يعلم أنه سوف يحاسب على هذا المال من جهتين: جهة الكسب، وجهة الإنفاق، قال ﷺ: لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع، وذكر منها: عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم (١٠١).
(٢) روي من حديث أبي برزة، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي سعيد، ومن قول معاذ بن جبل، وهو صحيح بشواهده.
[ ١ / ١٧ ]
وقدم مفهومًا للمفلس كما في حديث أبي هريرة عند مسلم:
أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار (^١).
(٢) أن الإسلام لم يحد المعاملات المالية بحد معين، وإنما ترك للناس حق التطوير والتجديد وإحداث المعاملات والعقود والشروط الجديدة بشرط أن تكون تلك المعاملات وفق القواعد والضوابط الشرعية التي تعمل على إقامة العدل بين الناس، فالأصل في المعاملات في النظام الإسلامي الحل والصحة، فالحلال محدود، وليس معدودًا، والحرام دائرته ضيقة جدًا، ولا يحرم شيء منه إلا لأمر ظاهر معقول المعنى.
وهو بهذه المرونة يعطي الفقيه صلاحية غير محدودة للاستفادة من المعاملات المالية المستجدة والمعاصرة، والقبول بكل ما يمكن أن يكون مقبولًا منها شرعًا، والترحيب به باعتبار أن المعاملات المالية هي حاجة إنسانية تحقق الرفاه والنمو الاقتصادي للإنسان وأن التدخل الشرعي فيها إنما جاء ليحقق العدل، ويمنع الظلم، والاحتكار، والاستغلال، وهذه قيم إنسانية، يشترك فيها العقلاء فضلًا عن المسلمين. فعلى الفقيه أن يبذل كل ما في وسعه، وأن يستفرغ كل جهده للوصول إلى بديل إسلامي لما هو محرم منها، بعد التوصل إلى تصور صحيح نقطع من خلاله، أو يغلب على ظننا بأنه محرم.
(٣) أن النظام المالي الإسلامي ليس من شرط قبوله التعبد، بل هو صالح
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٥٨١).
[ ١ / ١٨ ]
للبشرية كافة على اختلاف مللهم ونحلهم، وصدق الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فالمسلم كما هو مطالب أن يتعامل بهذا النظام مع أخيه المسلم، هو محكوم بهذا النظام إذا تعامل به مع باقي الطوائف الأخرى.
(٤) النظام المالي الإسلامي نظام وسطي قائم على التوازن:
ففي الوقت الذي يعطي السوق الحرية المشروعة، وينهى عن التدخل في السوق إذا كان هذا التدخل قائمًا على الإكراه والظلم، كما امتنع الرسول ﷺ عن التسعير، وقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط وهو حديث صحيح (^١).
خاصة إذا كان ارتفاع السلع راجعًا إلى قلة العرض، أو كثرة الطلب، ولم يكن ناجمًا عن الاحتكار والجشع.
وقال ﷺ في الحديث الصحيح: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض. رواه مسلم (^٢).
وكما حرم الإكراه على البيع، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٣٩].
وقال ﷺ كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ: إنما البيع عن تراض (^٣). وهو حديث حسن.
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٢٨٦) وأبو داود (٣٤٥١) والترمذي (١٣١٤) وابن ماجه (٢٢٠٠) وغيرهم.
(٢) صحيح مسلم (١٥٢٢).
(٣) سنن ابن ماجه (٢١٨٥).
[ ١ / ١٩ ]
في الوقت نفسه لا يسمح بالاحتكار، ويجبر المحتكر على بيع ماله عند حاجة الناس إليه.
وقدم الشارع منفعة السوق على منفعة الجالب، فنهى النبي ﷺ عن بيع الحاضر للبادي، والحديث متفق عليه.
قال المازري: «لما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصًا، فانتفع به جميع سكان البلد، نظر الشارع لأهل البلد على البادي» (^١).
وفي ذلك فائدتان للسوق وللتجار.
أما الفائدة للتجار: فإن أهل البادية يستعجلون الذهاب إلى أماكنهم، فيبيعون برخص، فينتفع الباعة منهم، ولذلك قال ﷺ: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض».
وأما الفائدة للسوق: فإن التاجر إذا اشترى برخص باع برخص، وإذا باع برخص استفاد عامة الناس، وكثر الطلب على السلع، بخلاف ما إذا كانت قيم السلع مرتفعة، فإن كثيرًا من الناس قد لا يستطيع الشراء حينئذ.
قال الشافعي: «أهل البادية يقدمون جاهلين بالأسواق، وبحاجة الناس إلى ما قدموا به، ومستثقلين المقام، فيكون أدنى من أن يرتخص المشترون سلعهم، فإذا تولى أهل القرية لهم البيع، ذهب هذا المعنى » (^٢).
ونهى النبي ﷺ عن تلقي الجلب حتى يهبط إلى السوق، رواه مسلم (^٣).
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ١٦٣).
(٢) مختصر المزني (ص: ٥١٨).
(٣) صحيح مسلم (١٥١٩).
[ ١ / ٢٠ ]
(٥) - مما يميز النظام الإسلامي أنه جعل هناك تلازمًا بين الربح وبين الضمان. فمنع من الربح في المعاملات المالية التي لم تدخل ضمان العاقد. وبهذا أغلق أكثر المعاملات الآجلة التي يتعامل بها النظام الرأس مالي في أسواق البورصة.
(٦) منع النظام الإسلامي من التعامل بالديون، فمنع من بيع الدين بالدين. وأكثر المعاملات المالية الآجلة في سوق البورصة العالمية هي من هذا القبيل.
(٧) اشترط الإسلام في المعاملات المالية أن يكون محل التعاقد معلومًا لكل من المتعاقدين، فلا يجوز أن يكون الثمن أو المثمن مجهولًا، فأغلق باب القمار والميسر، ومنع المضاربات على هبوط الأسعار وارتفاعها.
(٨) يشترط في النظام المالي الإسلامي أن يكون المبيع إذا كان معينًا أن يكون مملوكًا للبائع أو مأذونًا له في البيع، وبهذا الشرط حد من التلاعب والمضاربات على جني الأرباح دون أن يكون هناك سلع حقيقية.
(٩) نهى النبي ﷺ عن الغرر، كما نهى الإنسان عن بيع ما ليس عنده، وما لا يقدر على تسليمه، ومنع الجهالة في المبيع أو في الثمن، ونهى عن بيع المبيع قبل قبضه، وحرم القمار والربا وارتكاب المخاطر العالية وتعريض أموال الناس للضياع.
(١٠) حرم الإسلام كل أوجه الكسب غير المشروع، كتحريم الرشوة، وأكل أموال الناس بالباطل، واستغلال أصحاب النفوذ نفوذهم لأكل أموال الناس بغير حق.
(١١) لئن كانت المعاملات بالأمس في عصر الوحي بسيطة، وليست بالتعقيد التي هي عليه اليوم إلا أن الفقه الإسلامي وضع من الضوابط والقواعد التي استنبطها الفقهاء من عمومات النصوص ما تستقيم لها أي سوق يقام في العالم بصرف النظر عن الزمان والمكان.
[ ١ / ٢١ ]
فقال ﷺ: لا ضرر ولا ضرار، وهو حديث حسن بشواهده، واعتبر بعض الفقهاء أن هذا الحديث نصف الفقه، لأن الأحكام إما لجلب مصلحة، أو لدفع مضرة (^١).
ومن أجل دفع الضرر شرع الشارع أمورًا ومنع من أخرى من باب الوقاية من الوقوع في الضرر، ورفعه، أو تخفيفه إذا وقع، وقطع كل ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء.
ففي ميدان الحقوق الخاصة جعل الشارع حرمة المال كحرمة النفس والعرض: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام.
وشرع الرد بالعيب لإزالة الضرر الواقع على المشتري.
وشرع جميع أنواع الخيارات لإزالة الأضرار الواقعة على أحد المتعاقدين، كخيار المجلس، والعيب، والغبن، والتدليس.
وشرع الحجر بسائر أنواعه منعًا للضرر الحاصل من سوء التصرف، أو الضرر اللاحق للدائنين.
وشرع الشفعة لدفع ضرر الشريك.
وحرم التبذير والإسراف كما حرم التقتير والشح.
وهذه أمثلة لما شرعه الشارع في سبيل منع الضرر ودفعه وتخفيفه، وهي أمثلة تدل على غيرها.
وأما ما منعه الشارع في سبيل الوقاية من الوقوع في الضرر.
فيدخل فيه كل ما يضر الإنسان نفسه: سواء كان الضرر في دينه كبيع وشراء
_________________
(١) شرح الكوكب المنير (ص: ٥٩٨).
[ ١ / ٢٢ ]
الأفلام الخليعة التي تخدش الحياء، ومثله بيع كتب أهل البدع، والروايات الماجنة، والمجلات الخليعة.
أو يضر المشتري في بدنه، أو في ماله، مثل بيع وشراء الخمر، والحشيش والمخدرات، والدخان، وسائر المحرمات.
أو يلحق ضررًا بالسوق. مثل الاحتكار - والتسعير - وتلقي الجلب - وبيع الحاضر للبادي.
أو يلحق ضررًا بأخيه المسلم: كالبيع على بيعه - وبيع المضطر - وأخذ الربا - وغبن المسترسل - والنجش، وحرم الغش، والتدليس (كالتصرية)، وحرم القمار والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل.
أو يعين على باطل، مثل بيع السلاح في زمن الفتنة، وبيع العنب لمن يعصره خمرًا.
وهذه إشارات مختصرة لملامح النظام المالي الإسلامي.
وقد كان مشروع عقود المعاوضات المالية محاولة مني لتقديم هذا النظام الإسلامي للمشتغلين بالفقه والمال على طريقة البحوث المعاصرة، وقد اشتملت الموسوعة على العقود التالية.
[ ١ / ٢٣ ]
العقد الأول: عقد البيع:
وهو أوسع عقود المعاوضات، وترجع إليه غالب عقود المعاوضات، فكأن عقد البيع جنس، وغيره من عقود المعاوضات أنواع له، كالسلم، والاستصناع، والإجارة، ونحوها.
العقد الثاني: عقد السلم.
العقد الثالث: عقد الاستصناع.
العقد الرابع: عقد المقاولة.
العقد الخامس: عقد المناقصة.
العقد السادس: عقد التوريد.
العقد السابع: عقد الإجارة.
العقد الثامن: عقد ا لجعالة.
العقد التاسع: عقد الشفعة.
العقد العاشر: عقد الحوالة.
وقد ألحقت عقد الحوالة بعقود المعاوضات؛ لأن فيه شوب معاوضة؛ ولأن هناك من الفقهاء من اعتبر الحوالة من قبيل بيع الدين بالدين، وإن كان عقد الحوالة صالحًا لأن يكون من عقود الإرفاق.
العقد الحادي عشر: عقد الربا.
وقد أخرت عقد الربا عن العقود السابقة خلافًا لتنظيم كتب الحنابلة؛ لأن الله لم يجعل الربا بيعًا، وأنكر على الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥]. وقال ﷾: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥].
[ ١ / ٢٤ ]
العقد الثاني عشر: عقد الصرف.
وهذا العقد لا ينفك عن عقد الربا لتداخل أحكامهما، وإن كان عقد الصرف قد يكون عقدًا ربويًا، وقد يكون عقد مباحًا إذا توفرت فيه شروط الصحة.
العقد الثالث عشر: أهم المعاملات المصرفية.
وقد رأيت أن ألحق المعاملات المصرفية بعقد الصرف للشبه بينهما، ولكون الصرف من أهم المعاملات المصرفية اليوم.
العقد الرابع عشر: دراسة المعاملات التي تجري في سوق المال (البورصة).
وقد رأيت أن ألحقه بالمعاملات المصرفية باعتبار أن حركة البيع والشراء تديره المصارف السعودية، وإن كان هذا ليس لازمًا كما في الأسواق العالمية الكبيرة.
العقد الخامس عشر: عقد الشركات.
وقد أتبعت عقد الشركات بسوق المال؛ لأن سوق المال مرتبط بشركات المساهمة، وهي نوع من الشركات الحديثة.
وعقود الشركات من العقود المختلف فيها، هل هي من عقود المعاوضات، أو هي عقود قائمة بذاتها تختلف عن عقود المعاوضات، وقد ألحقتها بعقود المعاوضات اتباعًا لمذهب المالكية، والله أعلم.
[ ١ / ٢٥ ]