من خلال تحرير الخلاف السابق نجد أن الفقهاء - فيما عدا الظاهرية وعدد
_________________
(١) صحيح مسلم (١٥٨٧).
(٢) سنن الدارقطني (٣/ ١٤)، قلت: هو في موطأ مالك (٢/ ٦٣٥) من رواية يحيى، موقوفًا على سعيد بن المسيب. ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٤١٣٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣/ ٣٣٨)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٤/ ٢٩٨). جاء في نصب الراية (٤/ ٣٦): «هكذا رواه المبارك بن مجاهد، ووهم على مالك في رفعه، إنما هو قول سعيد، قال ابن القطان: وليست هذه علته، وإنما علته أن المبارك بن مجاهد ضعيف، ومع ضعفه فقد انفرد عن مالك برفعه، والناس رووه عنه موقوفًا».
[ ١١ / ١٨٩ ]
قليل من أهل القياس - يقولون: بأن جزء العلة الاتفاق في الجنس، ويختلفون في تعيين الجزء الآخر:
هل هو الكيل أو الوزن وحده كالحنفية.
أو الطعم، وحده كالشافعية.
أو الاقتيات والادخار وحده كالمالكية.
أو الطعم مع كونه مكيلًا أو موزونًا كما هو قديم قول الشافعية، ورواية عن أحمد.
فاستبعدنا مذهب الحنفية للحديث الصحيح (الطعام بالطعام مثلا بمثل)، وإن قيل: إن هذا فرد من أفراد لا يقتضي تخصيصًا، إلا أننا إذا نظرنا في الأصناف الأربعة وجدناها كلها مطعومة، لذلك أبعدنا غير المطعوم من جريان الربا فيه.
وبقي الخلاف: هل العلة الطعم، أو الاقتيات والادخار وحدهما، أو أن العلة مركبة: بين الطعم والكيل.
والذي أميل إليه أن الكيل غير معتبر في كونه علة في جريان الربا، وإن كان ا لكيل أو الوزن معيارًا يتوصل فيه إلى ضبط التساوي مما يحرم فيه التفاضل للأسباب التالية.
الأول: أن العلة في الذهب والفضة مطلق الثمنية، وألحقنا بها الأوراق النقدية، وكذلك الفلوس مع أن الحديث يقول: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، ولا الفضة بالفضة إلا وزنًا بوزن.
فالذهب بالذهب، والفضة بالفضة يحرم فيه التفاضل، والمعيار الشرعي فيه هو الوزن، ومع ذلك لم يكن الوزن هو العلة في جريان الربا فيهما، فليكن الكيل معيارًا يتوصل فيه إلى ضبط التساوي بين بيع البر بالبر والشعير بالشعير،
[ ١١ / ١٩٠ ]
والتمر بالتمر، والملح بالملح وليس علة في جريان الربا في هذه الأصناف الأربعة.
قال النووي: «لا يلزم من كون الكيل معيارًا كونه علة، والله سبحانه أعلم» (^١).
(ح-٧٣٦) الثاني: أن النبي - ﷺ - قال فيما رواه البخاري من حديث أبي سعيد ﵁: لا صاعين بصاع، ولا درهمين بدرهم (^٢).
فقوله (ولا درهمين بدرهم) إشارة إلى طلب التساوي، ومع ذلك لم يعتبر أحد من العلماء أن العدد جزء من العلة مع اعتبار الشارع له كما في رواية أبي سعيد هذه، وحديث عثمان عند مسلم: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين).
الثالث: أن الأكل أو الاقتيات والادخار صفة لازمة لذات المعلول والكيل صفة زائدة عن المعلول، والصفة اللازمة أولى أن تكون علة من الصفة الزائدة.
الرابع: القبض والكيل كلاهما شرط في صحة البيع، فإذا كان القبض ليس علة في الربا فليكن الكيل كذلك.
(ح-٧٣٧) الخامس: روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵁، قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (^٣).
ولم يقل جمهور الفقهاء: إن الوزن والكيل علة في جواز ما يسلم فيه، فلا
_________________
(١) المجموع (٩/ ٥٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٨٠).
(٣) البخاري (٢٢٤١)، ومسلم (١٦٠٤).
[ ١١ / ١٩١ ]
يجوز في غيرهما، وإنما قالوا: يجوز السلم في كل ما يضبط وصفه، سواء أكان ذلك بالكيل، أم الوزن، أم الذرع، أم العد.
السادس: «علة التحريم لا تؤخذ من أداة التقدير للشيء، إنما علة التحريم تكون في ذات الشيء، فإذا كان النبي - ﷺ - قد خص بعض الأشياء بمنع التفاضل فيها عند اتحاد جنسها، وضرورة قبضها عند بيع بعضها ببعض، فلا بد أن يكون ذلك التحريم لأوصاف أو منافع خاصة في هذه الأموال، لا لكونها تكال أو توزن.
السابع: أن الوزن والكيل ليسا وصفين ملازمين للأموال، بل هما أمران عارضان، ومن الأشياء ما تعين مقاديرها في بلد بالكيل، وفي آخر بالوزن، وإن ذلك قد يؤدي إلى أن يكون قد تتحقق فيه علة الربا في بلد، ولا تتحقق فيه علة الربا في بلد آخر، ويكون للشارع في أمر واحد حكمان متناقضان» (^١).
قال الماوردي: «التمر يكال بالحجاز، ويوزن بالبصرة والعراق، والبر يكال تارة في زمان، ويوزن أخرى، والفواكه قد تعد في زمان، وتوزن في زمان، فلم يجز أن يكون الكيل علة؛ لأنها تقتضي أن يكون الجنس الواحد فيه الربا في بعض البلدان، ولا ربا فيه في بعضها، وفي بعض الأزمان، ولا ربا فيه في غيرها، وعلة الحكم يجب أن تكون لازمة في البلدان، وسائر الأزمان، وهذا موجود في الأكل» (^٢).
فإن قيل: إن العبرة بالمعيار في وقت الرسول - ﷺ -، فالجواب: أن المكيال والميزان أمران عرفيان لم يحدث فيها الرسول - ﷺ - تغييرًا عما كان يعمل في الجاهلية.
_________________
(١) بحوث في الربا - محمد أبو زهرة (ص: ٤٩).
(٢) الحاوي (٥/ ٨٧).
[ ١١ / ١٩٢ ]
الثامن: أن الربا يجري بين التمرتين والثلاث، مع العلم أنها لا تكال.
ذكر القرافي في معرض استدلاله على عدم التعليل بالكيل، بقوله: «لا يخفاك أن الكيل ليس بصفة ثابتة، بل عارض، وليس بصفة مختصة، بل غير مختص، وليس بصفة مقصودة عادة من هذه الأعيان، وليس بصفة جامعة للأوصاف المناسبة كلها، بل ليس هو بصفة سابقة على الحكم، وإنما هو لاحق مخلص من الربا كالقبض، فلا يصلح أن يكون علته على أنه يمتنع في القليل كالتمرة والتمرتين ونحوهما بخلاف علة مالك» (^١).
وذكر الماوردي: أن الأكل علة يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، والكيل علة يوجد الحكم مع عدمها، ويعدم الحكم مع وجودها، وهو أن الزرع إذا كان حشيشا أو قصيلًا لا ربا فيه؛ لعدم الأكل عندنا، وعدم الكيل عندهم، فإذا صار سنبلًا ثبت فيه الربا عندنا؛ لأنه مأكول، وثبت فيه الربا عندهم، وهو غير مكيل. فإن قيل يصير مكيلًا. قيل: وكذلك إذا كان حشيشًا.
فإذا صار السنبل خبزًا ثبت فيه الربا عندنا: لأنه مأكول، وثبت فيه الربا عندهم، وهو غير مكيل، فإن قيل: يحصل فيه الربا لأنه موزون.
قيل: ما ثبت فيه الربا لا تختلف علته باختلاف أوصافه، فإذا صار الخبز رمادًا فلا ربا فيه عندنا: لأنه غير مأكول، ولا ربا فيه عندهم وهو مكيل، فثبت أن علتنا يوجد الحكم بوجودها، ويعدم بعدمها، وعلتهم يوجد الحكم مع عدمها في السنبل، ويعدم الحكم مع وجودها في الرماد، فثبت أن التعليل بالأكل أصح لهذه الدلائل الأربعة» (^٢).
_________________
(١) الفروق (٣/ ٢٥٩).
(٢) الحاوي (٥/ ٨٧).
[ ١١ / ١٩٣ ]
لهذه الأسباب المذكورة أبعدت اعتبار الكيل أو الوزن علة في جريان الربا في هذه الأموال، وبقي النظر: هل العلة: الطعم، أو العلة الاقتيات والادخار، فالترجيح لدي بين هذين القولين:
فمن نظر إلى أن القوت أشرف من مطلق الطعم، وأن الشارع أوجب الزكاة في الأقوات خاصة، ولم يوجبها في كل مطعوم، وأن الفقهاء أجمعوا على تحريم الاحتكار في الأقوات خاصة، وأن الأصل في البيع الحل، فيبقى المتيقن: هو اعتبار القوت والادخار، وأما غيره فمحتمل، والاحتياط في جانب المعاملات ليس في التحريم، بل الاحتياط عكسه تمامًا، لهذا أجدني ميالًا إلى قول المالكية، وإن كان في قول الشافعية قوة، والله أعلم.
[ ١١ / ١٩٤ ]