يقول ابن القيم: «منعهم من ربا الفضل؛ لما يخاف عليهم من ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة، وغير ذلك تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهي ذريعة قريبة جدًا، فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة، ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا ونسيئة، فهذه حكمة معقولة مطابقة للمعقول، وهي تسد عليهم باب المفسدة» (^٢).
ويقول شيخنا ابن عثيمين: وجه ذلك أنه إذا جاز الزيادة من أجل الوصف، انتقل الذهن إلى جواز الزيادة من أجل التأجيل فوقع في ربا النسيئة (^٣). اهـ
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٧٩)،مسلم (١٥٩٦).
(٢) إعلام الموقعين (٢/ ١٥٥).
(٣) قاله الشيخ في دروس له مسجلة، جوابًا على سؤال: كيف جازت العرايا، وهي حرام من أجل الحاجة دون الضرورة.
[ ١١ / ١٣٥ ]
وعندي أن ربا الفضل تحريمه من تحريم المقاصد، وليس من تحريم الوسائل، وأرى أن هذا القول لبعض الفضلاء قد استغله بعض الباحثين المعاصرين ليدخل منه إلى أن المحرم هو ربا الجاهلية فقط، والعلماء لا يقولون بذلك، والدليل على أن تحريم ربا الفضل من تحريم المقاصد أدلة كثيرة، منها:
(ح- ٧١٠) ما رواه البخاري الشيخان من طريق معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سمعت عقبة بن عبد الغافر.
أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁، قال: جاء بلال بتمر برني، فقال له النبي - ﷺ -: من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر ردي، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ - عند ذلك: أوه أوه عين الربا عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتره به (^١).
فقوله - ﷺ -: (عين الربا) وتكرار ذلك، والنهي عن الفعل كل ذلك يدل صراحة على أن ربا الفضل تحريمه تحريم مقاصد، وليس تحريمه من باب الوسائل، كما قال بعض أهل العلم والفضل.
وقال القاضي عياض: «قوله (عين الربا) أي هو الربا المحرم نفسه من الزيادة، لا ما يشبهه ويغامر عليه» (^٢).
وقال الحافظ في الفتح: «مراده بعين الربا: نفسه» (^٣).
وقال العيني: «أي هذا البيع نفس الربا حقيقة» (^٤).
_________________
(١) البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤).
(٢) إكمال المعلم (٥/ ٢٧٩).
(٣) الفتح (٤/ ٤٩٠).
(٤) عمدة القارئ (١٢/ ١٤٩).
[ ١١ / ١٣٦ ]
وقال النووي: «أوه عين الربا. قال أهل اللغة: هي كلمة توجع وتحزن، ومعنى عين الربا: أنه حقيقة الربا المحرم» (^١).
وفي حاشية السندي: «أي هذا العقد نفس الربا الممنوعة، لا نظيرها وما فيه شبهتها» (^٢).
وقال - ﷺ - عمن وقع في ربا الفضل: (ويلك أربيت)، وهو في صحيح مسلم (^٣)، وقال أيضًا (من زاد أو استزاد فقد أربى)، وهذا أيضًا في صحيح مسلم (^٤). فقوله (أربيت) (أربى) هذه الألفاظ لها حقائق شرعية، تدل على أن من وقع في ربا الفضل وقع في جنس الربا، وشمله أحاديث الوعيد الواردة في المرابي، وأن ربا الفضل من كبائر الذنوب.
ولقد بينت ورجحت أن تحريم ربا الفضل تحريم مقاصد، وليس تحريم وسائل عند الكلام على بيع الذهب بالحلي، فانظره هناك، وفقك الله.
* * *
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم (١١/ ٢٢).
(٢) حاشية السندي على النسائي (٧/ ٢٧٣).
(٣) صحيح مسلم (١٥٩٤).
(٤) صحيح مسلم (١٥٨٧).
[ ١١ / ١٣٧ ]