[م-٢١١٩] اختلف العلماء في المعير يعير الأرض ليزرع فيها، ثم يريد الرجوع في عاريته، فهل له ذلك؟
القول الأول:
إذا أعارها للزراعة فقال الحنفية ليس للمعير الرجوع مطلقًا سواء كانت مطلقة أو مقيدة، بل تبقى في يده بأجرة المثل (^١).
وبه قال الحنابلة في المشهور إلا أنهم قالوا: إن كان الزرع مما يحصد قصيلًا كالبرسيم فله الرجوع في وقت إمكان حصاده (^٢).
واختار المجد في المحرر أنه لا أجرة له؛ لأنه دخل على الانتفاع بغير عوض (^٣).
وقال الشافعية في أصح الوجهين: ليس له الرجوع في الإعارة المطلقة إن
_________________
(١) المبسوط (١١/ ١٤١)، الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٥٧)، بدائع الصنائع (٦/ ٢١٧).
(٢) الكافي لابن قدامة (٢/ ٣٨٥)، المغني (٥/ ١٣٤)، المحرر (١/ ٣٦٠)، المبدع (٥/ ١٣٩)، الإنصاف (٦/ ١٠٦)، كشاف القناع (٤/ ٦٦)، مطالب أولي النهى (٣/ ٧٢٨).
(٣) المحرر (١/ ٣٦٠).
[ ٢٠ / ٥٠٧ ]
نقص الزرع بالقلع؛ لأنه محترم، وله أمد ينتهي إليه، ويبقى بأجرة المثل، وإن لم ينقص بالقلع لزمه قلعه (^١).
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «إن أعارها؛ للزراعة فليس له أخذها قبل حصده، وإن لم يوقت فتبقى بالأجرة؛ لأن فيه مراعاة الجانبين ودفع الضرر عن المستعير ومراعاة حق المعير؛ لأن بقاءه مدة قليلة بخلاف الغرس والبناء؛ لأنه لا نهاية لهما فيقلع دفعا لضرر المعير» (^٢).
وجاء في نهاية المحتاج: «وإذا أعار أرضًا لزراعة مطلقًا، ورجع قبل إدراك الزرع، فالصحيح أن عليه الإبقاء إلى الحصاد إن نقص بالقلع قبله؛ لأنه محترم، وله أمد ينتظر إليه بخلاف البناء والغراس أما إذا لم ينقص بالقلع وإن لم يعتد قطعه، أو اعتيد قطعه لكونه قصيلًا فإنه يكلف ذلك كما بحثه ابن الرفعة لانتفاء الضرر، والصحيح أن له الأجرة أي أجرة مدة الإبقاء من وقت رجوعه إلى حصاده لانقطاع الإباحة به، فأشبه ما لو أعاره دابة، ثم رجع في أثناء الطريق، فإن عليه نقل متاعه إلى مأمن بأجرة المثل كما مر. والثاني: لا أجرة له؛ لأن منفعة الأرض إلى الحصاد كالمستوفاة بالزرع» (^٣).
وفي روضة الطالبين: «أعار للزرع، فرجع قبل إدراك الزرع، فإن كان مما يعتاد قطعه كلف قطعه، وإلا فأوجه الثالث: وهو الصحيح يلزم المعير إبقاؤه إلى أوان حصاده، وهل له الأجرة، وجهان:
_________________
(١) المهذب (١/ ٣٦٥)، روضة الطالبين (٤/ ٤٤٠).
(٢) الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٥٧).
(٣) نهاية المحتاج (٥/ ١٣٩).
[ ٢٠ / ٥٠٨ ]
أحدهما: لا، وهو منقول عن المزني، واختاره الروياني وأصحهما: نعم؛ لأنه إنما أباح له المنفعة إلى وقت الرجوع، فأشبه من أعار دابة إلى بلد، ثم رجع في الطريق، فإن عليه نقل متاعه إلى مأمن بأجرة المثل» (^١).
وجاء في المحرر: «وإن أعاره أرضًا للزرع، فرجع، وهو مما يحصد قصيلًا حصد، وإلا لزمه تركه إلى الحصاد بلا أجرة عندي، وقال: أصحابنا: له الأجرة من وقت الرجوع» (^٢).
وقال ابن رجب: «من زرع في أرض غيره بإذن غير لازم كالإعارة، ثم رجع المالك، فالزرع مبقى لمن زرعه إلى أوان حصاده بغير خلاف، لكن هل تجب عليه الأجرة من حين الرجوع أم لا؟ على وجهين: أشهرهما الوجوب، وهو قول القاضي وأصحابه.
والثاني: انتفاءٌ؛ لأنه دخل على الانتفاع بغير عوض، وهو اختيار صاحب المحرر، وظاهر كلام الإمام أحمد في رواية صالح يشهد له» (^٣).
القول الثاني:
لم يفرق المالكية بين الإعارة للزرع والإعارة للغرس والبناء كما فعل الجمهور، وملخص المذهب المالكي:
ذهب المالكية إلى أن الإعارة إن قيدت بعمل كزراعة أرض بطنًا فأكثر مما لا
_________________
(١) روضة الطالبين (٤/ ٤٤٠).
(٢) المحرر (١/ ٣٦٠).
(٣) القواعد لابن رجب، القاعدة التاسعة والسبعون، القسم السابع (ص: ١٥٦).
[ ٢٠ / ٥٠٩ ]
يخلف كقمح، أو مما يخلف كقصب فإنها تكون لازمة إلى انقضاء ذلك العمل أو الأجل، ولا يجوز له الرجوع قبل انتهاء العمل أو الأجل مطلقًا.
وإن كانت الإعارة مطلقة لم تقيد بعمل أو أجل فللمالكية ثلاثة أقوال:
الأول: وهو المعتمد أن الإعارة لا تلزم، ولربها أخذها متى شاء، ولا يلزم قدر ما تراد لمثله عادة، وهو قول ابن القاسم وأشهب.
الثاني: يلزم بقاؤها في يد المستعير قدر ما تراد لمثله عادة.
الثالث: إن كانت الإعارة للبناء والغرس، وحصلا فيلزم المعير بقاؤها قدر ما تراد لمثله عادة إلا أن يعطيه قال مرة: ما أنفق فيها. وقال أخرى: قيمة ما أنفق، وإن لم يعطه ذلك تركه إلى مثل ما يرى الناس أنه إعارة إلى مثله من الأمد.
وقد اختلف الشارحون: في الجمع بين الأمر بدفع ما أنفق، أو بدفع قيمة ما أنفق على ثلاثة أوجه ذكرتها في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد (^١).
القول الثالث:
إذا أعاره أرضًا ليزرع فيها، ثم رجع قبل إدراك الزرع، فللمعير أن يقلع، ويغرم أرش النقص، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٢).
_________________
(١) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (٣/ ٥٧٧)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (٣/ ٤٣٩)، شرح الخرشي (٣/ ٤٣٩)، مواهب الجليل (٥/ ٢٧٠ - ٢٧١)، التاج والإكليل (٥/ ٢٧١)، منح الجليل (٧/ ٦٣)، الفواكه الدواني (٢/ ١٦٨)، الإنصاف (٦/ ١٠٤).
(٢) روضة الطالبين (٤/ ٤٤٠).
[ ٢٠ / ٥١٠ ]
القول الرابع:
إذا رجع المعير قبل إدراك الزرع فللمعير أن يتملكه بالقيمة، اختاره القاضي أبو الطيب من الشافعية (^١).
هذه هي الأقوال في المسألة، ورأى أن الراجح منها:
أن الإعارة لازمة إن كانت مؤقتة، أو كانت الإعارة للزرع، وقد باشر المستعير الزرع، فإنه مبقى إلى الحصاد، وبلا عوض، والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) المرجع السابق.
[ ٢٠ / ٥١١ ]