أن يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها
[م-٢١١٥] يشترط في العين المعارة أن يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، كإعارة الثوب للبس، والسكين للذبح، ويدخل في ذلك أيضًا الأعيان التي ينتفع بها مع بقاء أصولها فإنها تجري مجرى المنافع وإن كانت أعيانًا مستهلكة، كثمر الشجر، ولبن الآدميات، والصوف والماء العذب، فإنه كلما خلق من هذه شيء فأخذ، خلق الله بدله مع بقاء الأصل كالمنافع سواء.
(ح-١٢٦٣) وقد روى البخاري في صحيحه من طريق حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي،
سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة (^١).
قال ابن بطال: «المنيحة هى الناقة والشاة ذات الدر تعار للبنها، ثم ترد إلى أهلها، والمنحة عند العرب كالإفقار، والعمرى، والعارية، وهى تمليك المنافع لا تمليك الرقاب، ألا ترى قوله فى حديث أنس: فلما فتح الله على رسوله - ﷺ - غنائم خيبر رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم وثمارهم. وقوله فى حديث جابر: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه)، إنما يريد يهبه الانتفاع بها ولا يكريها منه بأجر، يبين ذلك قوله فى حديث ابن عباس: (أما إنه لو منحها
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٦٣١).
[ ٢٠ / ٤٩٣ ]
إياه لكان خيرًا له من أن يأخذ عليها أجرًا فدل أن المنحة غير إعطاء الرقاب؛ لأن إعطاء الرقاب قد تضمنته الزكاة، فدلت هذه الآثار على أن المنيحة التى حض النبى - ﷺ - أمته عليها من الأرض والثمار والأنعام، هى تمليك المنافع لا تمليك الرقاب» (^١).
وأما إعارة الطعام فلا يصح أن يكون بذله من باب الإعارة؛ ذلك أن منفعته في أكله، فلا تبقى عينه، فإذا قال: أعرتك هذا الطعام كان ذلك كناية عن قرضه، لأنه يأكله ويرد بدله، وهذا حقيقة القرض، وإذا قال: منحتك إياه كان هبة؛ لأن لفظ المنيحة يصح استعماله في الإعارة وفي الهبة، فإن أضافه إلى ما تبقى عينه بعد استعماله كان عارية، وإن استعمله فيما يستهلك كان هبة.
جاء في الجوهرة النيرة: «ومن شرطها: أن تكون العين قابلة للانتفاع بها مع بقاء عينها، حتى لا تكون عارية الدراهم الدنانير والفلوس إلا قرضًا» (^٢).
وفي تبيين الحقائق: «إذا قال: منحتك، إن كان مضافًا إلى ما يمكن الانتفاع به مع بقاء العين يكون إعارة، وإن أضاف إلى ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدراهم، والطعام يكون هبة» (^٣).
وقال الخرشي: «شرط صحة العارية الانتفاع بها مع بقاء عينها» (^٤).
_________________
(١) شرح البخاري لابن بطال (٧/ ١٥١).
(٢) الجوهرة النيرة (١/ ٣٥٠)، وانظر الفتاوى الهندية (٤/ ٣٦٣).
(٣) تبيين الحقائق (٥/ ٨٤).
(٤) شرح الخرشي (٦/ ١٢٣).
[ ٢٠ / ٤٩٤ ]
وجاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «وشرط المستعار كونه منتفعًا به مع بقاء عينه» (^١).
وقال ابن مفلح في الفروع: «تجوز إعارة ذي نفع جائز ينتفع به مع بقاء عينه» (^٢).
° وجه اشتراط بقاء العين في العارية:
أن الإعارة تستلزم رد العين بعد الانتفاع، وما يستهلك بالانتفاع به كالطعام لا يمكن رده فيكون قرضًا.
* * *
_________________
(١) حاشيتا قليوبي وعميرة (٣/ ١٩).
(٢) الفروع (٤/ ٤٦٩)، وانظر الإنصاف (٦/ ١٠٢)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٢٨٨)، كشاف القناع (٤/ ٦٣).
[ ٢٠ / ٤٩٥ ]
المبحث الأول