في كيفية ضمان العارية المركوبة
[م-٢١٢٢] اختلف العلماء في كيفية ضمان المركوب مع اتفاقهم على القول به إذا تعدى المستعير، أو فرط على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إن تلفت الدابة بسبب تعديه ضمن قيمتها، وإن ردها إلى صاحبها سالمة فليس عليه شيء. وهذا مذهب الحنفية.
جاء في الجوهرة النيرة: «إذا استعار دابة إلى موضع سماه فجاوز بها ذلك الموضع فعطبت ضمن قيمتها؛ لأن الإذن لم يتناول ذلك الموضع فصار بركونه فيه غاصبًا فلهذا ضمن، فإن رجع بها إلى الموضع الذي استعارها إليه فعطبت لم يبرأ من الضمان» (^١).
وجاء في درر الحكام شرح غرر الأحكام: «لو استعار دابة إلى مكان مسمى، فجاوز بها المستعير المكان المسمى، ثم عاد إليه فهو ضامن إلى أن يردها على المالك.
قيل: هذا إذا استعارها ذاهبًا لا جائيًا، أما إذا استعارها ذاهبا وجائيا يبرأ وهذا القائل يسوي بين المودع والمستعير والمستأجر إذ خالفوا ثم عادوا إلى الوفاق برئوا عن الضمان إذا كانت مدة الإيداع والإعارة باقية.
_________________
(١) الجوهرة النيرة (١/ ٣٥١)، وانظر مجمع الضمانات (ص: ٥٧).
[ ٢٠ / ٥٢١ ]
ومن المشايخ من قال في العارية: لا يبرأ عن الضمان ما لم يردها على الملك سواء استعارها ذاهبًا، أو ذاهبا وجائيًا وهذا القائل يقول: إن المستعير والمستأجر إذا خالفا ثم عادا إلى الوفاق لا يبرآن من الضمان بخلاف المودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق حيث يبرأ، والقول الأول أشبه وإليه مال شيخ الإسلام جواهر زاده» (^١).
وفي مجمع الضمانات: «استعار دابة وعين جهة الانتفاع ثم خالف فهو على ثلاثة أوجه: أن يخالف في المعنى مع اتحاد الجنس، أو يخالف في الجنس، أو يخالف في القدر.
أما الأول: وهو المخالفة في المعنى مع اتحاد الجنس بأن استعار دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم من هذا البر فحمل عليها عشرة مخاتيم من بر آخر لم يضمن، وكذا لو استعارها ليحمل عليها من بره فحمل عليها مثله من بر غيره؛ لأن مثل هذا التقييد غير مفيد.
وأما الثاني: وهو المخالفة في الجنس بأن استعار دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة بر فحمل عشرة أقفزة شعير يضمن قياسًا إذ خالف في الجنس لا استحسانا؛ لأنه أخف فخالف إلى خير حتى لو سمى مقدارًا من البر وزنا فحمل عليها مثل ذلك الوزن من الشعير ضمن إذ يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما يأخذ البر، وكذا لو استعارها ليحمل عليها برا فحمل حطبًا أو قطنًا أو تبنًا بذلك الوزن ضمن لما مر، وكذا لو حمل حديدًا أو آجرا أو حجارة بوزن البر ضمن؛ لأنه مما يدق ظهرها فيكون أضر.
_________________
(١) درر الحكام شرح غرر الأحكام (٢/ ٢٤٦)، وانظر البحر الرائق (٧/ ٢٨١)، مجمع الضمانات (ص: ٥٧).
[ ٢٠ / ٥٢٢ ]
وأما الثالث: وهو المخالفة في القدر بأن استعارها ليحمل عليها عشرة مخاتيم بر فحمل خمسة عشر مختومًا، فلو علم أنها لا تطيق حمل هذا القدر ضمن كل قيمتها للإتلاف، ولو علم أنها تطيق ضمن ثلثها توزيعا للضمان على قدر ما أذن وغيره من الفصولين» (^١).
وفي درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «لو استعار دابة لركوبه، فأردف شخصًا آخر معه، وتلفت الدابة ضمن المستعير نصف قيمة الدابة إذا كانت تطيق حمل الاثنين؛ لأن التلف الواقف ناشئ عن الفعل المأذون به، والفعل غير المأذون فيه، فتنقسم القيمة على الفعلين، وما يصيب الفعل المأذون فيه فهو هدر، أما إذا كانت الدابة لا تطيق حمل الاثنين ضمن المستعير كل القيمة» (^٢).
القول الثاني:
طريقة الضمان عند المالكية إن عطبت الدابة فإن المعير يخير بين أخذ كراء ما زاده، وبين أن يضمنه قيمة الدابة يوم تعديه، دون أخذ كراء المسافة التي تعدى فيها، ولا يحق للمالك أن يجمع بين كراء ما زاده وقيمة الدابة.
وإن سلمت الدابة فليس له إلا كراء الزائد فقط (^٣).
جاء في المدونة: «أرأيت إن استعرت من رجل دابة لأركبها إلى موضع من المواضع، فركبتها وحملت خلفي، رديفًا فعطبت الدابة ما علي؟
_________________
(١) مجمع الضمانات (ص: ٦٠).
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام (٢/ ٣٥٢).
(٣) التهذيب في اختصار المدونة (٤/ ٣١٦)، شرح مختصر خليل (٦/ ١٢٥ - ١٢٦)، التاج والإكليل (٥/ ٢٧٠).
[ ٢٠ / ٥٢٣ ]
قال: ربها مخير في أن يأخذ منك كراء الرديف، ولا شيء له عليك غير ذلك، وفي أن يضمنك قيمتها يوم حملت عليها رديفًا.
قلت: أجميع قيمتها أو نصف قيمتها؟
قال: جميع قيمتها» (^١).
وجاء في شرح مختصر خليل: «من استعار دابة ليحمل عليها شيئا معلوما فزاد عليها غير ذلك قدرا تعطب بمثله فعطبت منه فربها مخير حينئذ بين أن يضمن المستعير قيمتها يوم التعدي، ولا شيء له غير ذلك، وبين أن يأخذ كراء الزائد المتعدي فيه فقط؛ لأن خيرته تنفي ضرره ومعرفة ذلك أن يقال كم يساوي كراؤها فيما استعارها له فإن قيل عشرة قيل وكم يساوي كراؤها فيما حمل عليها فإذا قيل خمسة عشرة دفع إليه الخمسة الزائدة على كراء ما استعارها له، وإن كان ما حملها به لا تعطب في مثله فليس له إلا كراء الزيادة لأن عطبها من أمر الله ليس من أجل الزيادة فقوله ما تعطب به أي وعطبت فالواو محذوفة مع ما عطفت ولم يتعرض المؤلف هنا لزيادة المسافة وقد ذكرها هنا في المدونة وحاصلها أنها إذا عطبت بذلك فلا فرق بين أن يكون مما تعطب به أم لا بخلاف زيادة الحمل ومعنى العطب هنا التلف وأما إذا تعيبت تعييبًا مفيتًا للمقصود أو غير مفيت له فإنه يجري عليه حكم التعدي المذكور فيه من التخيير حيث أفات المقصود منه بين أن يأخذه مع نقصه أو يأخذ قيمته، وبين لزوم النقص فقط حيث لم يفته» (^٢).
_________________
(١) المدونة (٦/ ١٦٣).
(٢) شرح مختصر خليل (٦/ ١٢٥).
[ ٢٠ / ٥٢٤ ]
القول الثالث:
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الدابة إن تلفت ضمن قيمتها يوم تعديه، وإن سلمت كان له أجرة ما تعدى فيه (^١).
جاء في البيان للعمراني: «وإن استعار دابة ليركبها إلى بلد، فركبها إلى تلك البلد، وجاوز بها إلى بلد أخرى، فقبل أن يجاوز بها البلد المأذون له بالركوب إليه هي مضمونة عليه ضمان العارية، ولا أجرة عليه لذلك، فإذا جاوز بها صارت من حين المجاوزة مضمونة عليه ضمان الغاصب، ويجب عليه أرش ما نقصت بعد ذلك، وأجرة منافعها، فإن ماتت وجب عليه قيمتها أكثر ما كانت حين المجاوزة؛ لأنه صار متعديًا بالمجاوزة، فإن رجع بها إلى البلد المأذون بالركوب إليه .. لم يزل عنه الضمان
دليلنا: أنها صارت مضمونة عليه، فلم يبرأ بالرد إلى غير يد المالك، أو وكيله، كالمغصوب» (^٢).
وجاء في أسنى المطالب: «وإن جاوز المستعير المكان بالدابة التي استعارها ليركبها إليه ضمن أجرة ذهاب المجاوزة: أي مجاوزتها عنه، وإيابها إليه؛ لتعديه، ثم هل له الإياب بها منه إلى المكان الذي استعارها منه أو لا؟ وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الإذن قد انقطع بالمجاوزة.
وثانيهما: نعم.
_________________
(١) المغني (٥/ ١٣٥)، كشاف القناع (٤/ ٧٢)، مطالب أولي النهى (٣/ ٧٣٧)، المبدع (٥/ ١٤٢).
(٢) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٦/ ٥١٧).
[ ٢٠ / ٥٢٥ ]
قال الرافعي؛ لأنه مأذون فيه من جهة المالك فإن قلنا: لا إياب له بها سلمها إلى حاكم البلد الذي استعار إليه فإن خالف ضمن» (^١).
وقال ابن قدامة: «وإذا استعار دابة ليركبها جاز فإذا استعارها إلى طبرية، فتجاوز إلى القدس فعليه أجرة ما بين طبرية والقدس خاصة» (^٢).
وفي مطالب أولي النهى: «يلزم المستعير أجرة مثلٍ لقدر زائد على مدة أو مسافة فقط؛ لحصول التعدي في الزائد، دون ما قبله» (^٣).
ومذهب الشافعية والحنابلة أقرب للصواب، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) أسنى المطالب (٢/ ٣٣٠).
(٢) المغني (٥/ ١٣٥).
(٣) مطالب أولي النهى (٣/ ٧٣٧).
[ ٢٠ / ٥٢٦ ]