في تعريف العارية
تعريف العارية اصطلاحًا (^١):
تعريفها عند الحنفية:
عرفها عامة الحنفية والمالكية بقولهم: تمليك المنافع بغير عوض (^٢).
قوله: (تمليك) انتقد بعض الحنفية التعبير بالتمليك، وقال: إنها إباحة، وليست تمليكًا؛ وعلل ذلك بأن العارية لا يشترط فيها ضرب المدة، والتمليك
_________________
(١) الْعَارِيَّةُ: مشددة الياء على المشهور، وحكى الخطابي وغيره تخفيفها، وجمعها: عواري بالتشديد والتخفيف. قال ابن فارس: ويقال لها: العارة أيضا. قال الشاعر: فأخلف وأتلف إنما المال عارةٌ وكله مع الدهر الذي هو آكله قال الأزهري: هي مأخوذة من عَارَ الشيء يَعِيرُ: إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيار، وهي منسوبة إلى العارة، بمعنى: الإعارة. وقال الجوهري: هي منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب. وقيل: هي مشتقة من التعاور، من قولهم: اعتوروا الشيء، وتعاوروه، وتعوروه: إذا تداولوه بينهم. انظر المطلع على ألفاظ المقنع (ص:٣٢٧)، وانظر لسان العرب (٤/ ٦١٨).
(٢) تبيين الحقائق (٥/ ٨٣)، العناية شرح الهداية (٩/ ٣)، فتح القدير (٦/ ٢٢٣)، الهداية شرح البداية (٣/ ٢٢٠)، المبسوط (١١/ ١٣٣)، القوانين الفقهية (ص: ٢٤٥)، الذخيرة للقرافي (٦/ ١٩٧)، شرح الخرشي (٦/ ١٢٠).
[ ٢٠ / ٣٩٩ ]
لا يصح مع الجهالة، ولأن من ملك شيئًا ملك التصرف فيها، والمستعير لا يملك إجارة ما استعار، ولا إعارتها للغير على الصحيح، بخلاف المستأجر الذي يملك المنفعة، فهو يملك إجارتها وإعارتها للغير كمن أبيح له الطعام ليس له أن يبيحه لغيره (^١).
والفرق بين التمليك والإباحة:
أن التمليك يستفيد به التصرف في الشيء كما يستفيده من عقد المعاوضة.
والإباحة: رفع الحرج من تناول ما ليس مملوكًا له.
فمن قال: إن العارية هبة منفعة أجاز للمستعير أن يعير، ومن قال: هي إباحة منفعة لم يجوِّز للمستعير أن يعير، وهو الصواب.
وعلى القول بأن العارية تمليك فإنها من باب تمليك الانتفاع، وليس من قبيل تمليك المنفعة، وبينهما فرق.
فتمليك الانتفاع: هو أن يباشر بنفسه الانتفاع فقط.
وتمليك المنفعة: أعم وأشمل، فيباشر بنفسه، وله أن يمكن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالعارية، ونحوها.
ومسألة تصرف المستعير بالمنفعة محل خلاف بين الفقهاء سيأتي إن شاء الله بحثها في مسألة مستقلة.
وقوله: (تمليك المنافع) أخرج البيع والهبة؛ لأنها من باب تمليك الأعيان.
_________________
(١) انظر الهداية شرح البداية (٣/ ٢٢٠)، المبسوط (١١/ ١٣٣)، تحفة الفقهاء (٣/ ١٧٧).
[ ٢٠ / ٤٠٠ ]
تعريف الشافعية:
عرف الشافعية الإعارة بقولهم: إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه. زاد بعضهم: ليرده (^١).
فقولهم: (إباحة): يخرج التمليك.
وقولهم: (الانتفاع) يخرج البيع والهبة؛ لأنه من قبيل تمليك الأعيان.
وقولهم: (من أهل التبرع) يخرج المحجور عليه، سواء كان محجورًا عليه لسفه أو لحظ الغير، كما يخرج المجنون.
وقوله: (بما يحل الانتفاع به) يخرج ما لا يحل الانتفاع به، كالآت اللهو، ونحوها مما يحرم الانتفاع بها.
وقولهم: (مع بقاء عينه) لأن ما تستهلك عينه لا يعتبر عارية، بل يعتبر قرضًا.
وقولهم: (ليرده) أخرج بذلك هبة المنافع فإنها لا ترد بالرد.
تعريف الحنابلة:
عرفها ابن مفلح بقوله: إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه ليرده على مالكه (^٢).
وهذا التعريف بمعنى ما سبق.
فقوله: (إباحة): الإباحة: رفع الحرج عن تناول ما ليس مملوكًا له.
وقوله: (مع بقاء عينه) خرج بذلك ما لا ينتفع به إلا مع تلف عينه، كالأطعمة
_________________
(١) المغني (٥/ ١٢٨).
(٢) المبدع (٥/ ١٣٧).
[ ٢٠ / ٤٠١ ]
والأشربة والدراهم فإن إعطاء هذه الأشياء إن كان بلا عوض فهي هبة، وإن كان بعوض فإن كان ليرد مثلها فهي قرض، وإلا كان بيعًا.
قال الكاساني: «إعارة كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه كالمكيلات والموزونات يكون قرضًا لا إعارة لما ذكرنا أن محل حكم الإعارة المنفعة لا العين إلا إذا كان ملحقًا بالمنفعة عرفًا وعادة، كما إذا منح شاة أو ناقة لينتفع بلبنها ووبرها مدة، ثم يردها على صاحبها؛ لأن ذلك معدود من المنافع عرفًا وعادة» (^١).
قلت: حصر المنافع بالعرض الذي يقوم بالعين كالسكنى والركوب هذا اصطلاح فقهي، وإلا فالمنافع لغة تشمل كل ما يمكن استفادته من الأعيان عرضًا كان مثل سكنى الدار، وركوب السيارة والدواب، ولبس الثياب وقراءة الكتب. أو عينًا: مثل ثمر الأشجار، وحليب الأنعام ونحوها (^٢).
فيصح إعارة الدابة من أجل لبنها، والشجرة من أجل ثمرتها، وتسمى عارية لغة، وليست عرفًا؛ لأن هذه الأشياء من قبيل هبة المنافع، وإن كانت المنفعة عينًا. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) بدائع الصنائع (٦/ ٢١٥).
(٢) الملكية - علي الخفيف (ص: ١١).
[ ٢٠ / ٤٠٢ ]