في حكم استعارة الصبي والمجنون
[م-٢١٠٨] يشترط في المستعير أهلية القبول لملك المنفعة.
ويدخل تحت هذا الشرط مسألتان:
الأولى: حكم استعارة الصبي والمجنون.
والثاني: حكم إعارة المسلم والمصحف للذمي.
فأما المسألة الأولى: وهو كون المستعير صبيًا أو مجنونًا:
فقد جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «يشترط في صحة الإعارة كون المعير والمستعير عاقلين» (^١).
وفي القوانين الفقهية: «المستعير، وهو من كان أهلًا للتبرع عليه» (^٢).
_________________
(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام (٢/ ٣٤٣) مادة ٨٠٩.
(٢) القوانين الفقهية (ص: ٢٤٥).
[ ٢٠ / ٤٧١ ]
وقال الغزالي: «الثاني: المستعير: ولا يعتبر فيه إلا أن يكون أهلًا للتبرع عليه» (^١).
وقال النووي: «المستعير: ويشترط فيه كونه أهلًا للتبرع عليه بعقد يشتمل على إيجاب وقبول بقول أو فعل، فلا تصح الإعارة للصبي كما لا يوهب له» (^٢).
وجاء في الفروع لابن مفلح: «يعتبر كون المعير أهلًا للتبرع شرعًا، وأهلية المستعير للتبرع له» (^٣).
وانتقد ابن عرفه قول الفقهاء يشترط في المستعير أن يكون أهلًا للتبرع عليه، بأن الكافر يملك أهلية التبرع عليه، ومع ذلك لا يصح إعارة المسلم والمصحف له، والولد من أهل التبرع، ولا يصح إعارة الوالد لولده، وفضل أن يكون التعبير أن يكون المستعير قابل ملك المنفعة (^٤).
ومقصود الفقهاء بأهلية المستعير للتبرع عليه بأن يكون من أهل التملك، والصبي غير المميز، والمجنون يتمتعان بأهلية التملك دون أهلية التمليك إلا أن الولي والوصي يقومان مقامهما في القبول لهما.
جاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «ويشترط في الموهوب له أن يكون فيه أهلية الملك لما يوهب له من مكلف وغيره، وغير المكلف يقبل له وليه» (^٥).
_________________
(١) الوسيط (٣/ ٣٦٧)، وانظر مغني المحتاج (٢/ ٢٦٥).
(٢) روضة الطالبين (٤/ ٤٢٦).
(٣) الفروع (٤/ ٤٦٩).
(٤) انظر التاج والإكليل (٥/ ٢٦٩).
(٥) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (٢/ ٣٦٦).
[ ٢٠ / ٤٧٢ ]
والموهوب له تارة يملك العين والمنفعة، وتارة يملك المنفعة فقط، وهي العارية.
فالفقهاء عندما قالوا: يشترط أن يكون أهلًا للتبرع عليه، يريدون أن يخرجوا بهذا القيد ما ليس أهلًا للتملك كما لو قصد تمليك البهيمة لا صاحبها، أو تمليك ملك من الملائكة، ونحو ذلك، ولا يريدون أن يخرجوا من ذلك الصبي والمجنون، فلا يشترط في المستعير الرشد، فتصح إعارة الصبي والمجنون والسفيه، فإن كان المستعير يتمتع بأهلية التملك والقبول باشر القبول بنفسه، كما لو كان المستعير عاقلًا مميزًا.
وإن كان الموهوب له يتمتع بأهلية التملك، وليس أهلًا للقبول كالمجنون والصبي الذي لا يميز فإنه يقبل عنه وليه، ومثله الوصي والقيم، والله أعلم.
[م-٢١٠٩] وتصح الاستعارة من الصبي المميز خاصة إذا كان مأذونًا له؛ لأنها نفع محض له، والحجر إنما كان نظرًا له، وفي رد الاستعارة منه ضرر عليه.
قال الزيلعي: «التصرف على الصغير على ثلاثة أنواع: نوع هو نفع محض فيملكه كل من هو في يده وليًا كان، أو لم يكن وليًا، كقبول الهبة، والصدقة، ويملكه الصبي بنفسه إذا كان مميزًا.
ونوع هو ضرر محض: كالعتاق والطلاق فلا يملكه عليه أحد.
ونوع هو متردد، يحتمل أن يكون نفعًا، ويحتمل أن يكون ضررًا، وذلك مثل البيع والإجارة للاسترباح فلا يملكه إلا الأب والجد ووصيهما» (^١).
* * *
_________________
(١) تبيين الحقائق (٦/ ٣٤).
[ ٢٠ / ٤٧٣ ]