في دعوى الكافر نسب اللقيط
[م-٢٠٧٣] إذا ادعى الكافر نسب اللقيط، فإن كان له بينة على دعواه لحقه نسبه بالإجماع.
وإن لم تكن له بينة فهل يحكم له بمجرد الدعوى؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم:
القول الأول:
تقبل دعواه، ويلحقه اللقيط نسبًا، فإن كان محكومًا بإسلامه لم يلحقه في الدين، وإن كان محكومًا بكفره لحقه فيه أيضًا، استحسنه الحنفية (^١)، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢).
إلا أن الحنفية قالوا: أن يدعيه في حياته، أما إذا ادعاه بعد وفاته لم يصدق؛ لأن المقصود من ثبوت النسب الشرف، وذلك لا يتحقق بعد الموت (^٣).
_________________
(١) المقصود أنهم قالوا به من قبيل الاستحسان، لا من جهة القياس.
(٢) الهداية شرح البداية (٢/ ٤١٥)، فتح القدير لابن الهمام (٦/ ١١٣)، المبسوط (١٠/ ٢١٦)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٥٣)، بدائع الصنائع (٦/ ١٩٩)، الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٣١)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (٣/ ٢٩٨)، البحر الرائق (٥/ ١٥٨)، المهذب (١/ ٤٣٦)، أسنى المطالب (٢/ ٥٠٢)، مغني المحتاج (٢/ ٤٢٢)، حاشيتا قليوبي وعميرة (٣/ ١٣٠)، الحاوي الكبير (٨/ ٥٥)، نهاية المطلب (٨/ ٥٣٢)، الكافي لابن قدامة (٢/ ٣٦٧)، الإنصاف (٦/ ٤٥٢)، مطالب أولي النهى (٤/ ٢٥٩).
(٣) حاشية ابن عابدين (٤/ ٢٧١)، المبسوط للسرخسي (١٠/ ٢١٤)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (٣/ ٢٩٨).
[ ٢٠ / ٣٤٧ ]
وقال الشافعية في المشهور: إن ادعى نسبه ولم يقم بينة لحقه نسبه دون ديانته، وإن أقام على ذلك بينة كان لحقه نسبه، وتبعه في الكفر (^١).
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وإن ادعاه ذمي فهو ابنه وهو مسلم، إلا أن يلتقطه من بيعة أو كنيسة أو قرية من قراهم فيكون ذميًا» (^٢).
قال النووي: «اللقيط الموجود في دار الإسلام، لو ادعى ذمي نسبه، وأقام عليه بينة، لحقه وتبعه في الكفر وإن اقتصر على مجرد الدعوى، فالمذهب أنه مسلم، وهو المنصوص، وبه قطع أبو إسحاق وغيره، وصححه الأكثرون. وقيل: قولان. ثانيهما: يحكم بكفره، لأنه يلحقه بالاستحقاق» (^٣).
واحتجوا على إلحاقه بالنسب:
الحجة الأولى:
موجب الدعوى شيئان أحدهما ثبوت نسبه منه، وذلك ينفعه، فيقبل والآخر كفره، وذلك يضره فلا يقبل.
الحجة الثانية:
أن المسلم والكافر سواء في مجال الدعاوى، فكما يقبل إقرار المسلم مجردًا عن البينة، فكذلك الكافر.
_________________
(١) البيان للعمراني (٨/ ٢٥).
(٢) الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٣١).
(٣) روضة الطالبين (٥/ ٤٣٥).
[ ٢٠ / ٣٤٨ ]
القول الثاني:
لا تقبل الدعوى إلا ببينة، وهو مذهب المالكية، ورواية في مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم من الظاهرية (^١).
° حجة هذا القول:
الحجة الأولى:
أن دعوى النسب كغيرها من الدعاوى لا تثبت إلا ببينة.
الحجة الثانية:
يحتمل أن يكون اللقيط من امرأة مسلمة بوطء بشبهة ونحوها.
° الراجح:
يقبل إقرار المرء على نفسه من اعترافه بنسبه، وأما دعواه كفر اللقيط فهي دعوى، وليست إقرارًا، فلا تثبت إلا ببينة، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) لم يفرق المالكية بين دعوى المسلم والكافر في دعوى النسب، فلابد من البينة لثبوت النسب، انظر الشرح الكبير (٤/ ١٢٦)، عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٠٠٠)، الذخيرة للقرافي (٩/ ١٣٥)، شرح الخرشي (٧/ ١٣٣)، منح الجليل (٨/ ٢٤٨)، التاج والإكليل (٦/ ٨٢)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (٤/ ١٨١).
[ ٢٠ / ٣٤٩ ]