في الرجوع في نفقة اللقيط
[م-٢٠٨٦] إذا أنفق الملتقط على اللقيط، فإما أن ينفق متبرعًا، أو ينفق بنية الرجوع، أو لا ينو شيئًا.
فإن أنفق على اللقيط متبرعًا لم يكن له الرجوع بما أنفق، وهذا بالاتفاق؛ لأنه إن نوى التبرع فهو هبة، أو نوى الاحتساب فهو صدقة، وكلاهما لا يجوز الرجوع فيها إذا مضت، وخرجت.
[م-٢٠٨٧] وإن أنفق ولم ينو شيئًا أو نوى الرجوع بالنفقة، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
لا رجوع للملتقط على اللقيط إلا أن يكون للقيط أموال فيسلفه حتى يبيع عروضه، أو يظهر للقيط أب وتقوم البينة على أنه ابنه، فيكون له الرجوع على والد اللقيط بشروط أربعة:
(١) - أن يطرحه أبوه عمدًا.
(٢) - أن يثبت ذلك بإقرار أو بينة فلا رجوع بمجرد دعوى ملتقطه أنه طرحه عمدًا.
(٣) - أن يكون الأب موسرًا وقت الإنفاق.
(٤) - ألا يكون الملتقط أنفق حسبة لله تعالى، أي أن محل رجوع أن ينوي
[ ٢٠ / ٣٨٣ ]
الرجوع. هذا هو مذهب المالكية (^١).
جاء في التاج والإكليل: «قال ابن القاسم: ومن التقط لقيطًا فأنفق عليه، فأتى رجل أقام البينة أنه ابنه، فليتبعه بما أنفق، إن كان الأب موسرا حين النفقة؛ لأنه ممن تلزمه نفقته. هذا إن تعمد الأب طرحه وإن لم يكن هو طرحه فلا شيء عليه.
وقال أشهب: لا شيء على الأب بحال لأن المنفق محتسب.
قال اللخمي: قول ابن القاسم أبين؛ لأنه يقول: لو علمت له من تلزمه نفقته لم أنفق عليه» (^٢).
القول الثاني:
ذهب الحنفية إلى أن الملتقط لا يرجع بما أنفقه إلا إذا قال له ا لقاضي: أنفق لترجع، فلو قال له: أنفق ولم يذكر الرجوع لم يكن له الرجوع بالنفقة.
جاء في حاشية ابن عابدين: «وهو في الإنفاق على اللقيط واللقطة متبرع؛ لقصور ولايته، إلا إذا قال له قاض: أنفق لترجع، فلو لم يذكر الرجوع لم يكن
_________________
(١) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (٤/ ١٨٠)، عقد الجواهر الثمينة ()، مواهب الجليل (٤/ ١٩٤)، الخرشي (٧/ ١٣١)، التاج والإكليل (٦/ ٨١). وجاء في منح الجليل: «وقال ابن عرفة: فهم ابن الحاجب وشارحاه المذهب على أنه إن أنفق عليه حسبة فلا رجوع له عليه مع تعمده طرحه، ومقتضى المدونة خلافه، وأن لمن أنفق عليه احتسابا ثم ظهر أن له أبا موسرا تعمد طرحه أن يرجع عليه بالنفقة وتقدم نصها ويرشحه اللخمي بقوله إنه يقول: لو علمت له من تلزمه نفقته ما أنفقت عليه. اهـ انظر
(٢) التاج والإكليل (٦/ ٨٠ - ٨١).
[ ٢٠ / ٣٨٤ ]
دينًا في الأصح» (^١)؛ لأن الأمر متردد بين الحسبة والرجوع فلا يكون دينًا بالشك (^٢).
وقال الشافعية لا يرجع بما أنفقه على اللقيط إلا أن يكون الإنفاق بإذن الحاكم، فإن لم يوجد أشهد وأنفق بنية الرجوع وإلا لم يرجع (^٣).
وذهب الحنابلة أن الملتقط إذا أنفق على اللقيط نفقة المثل بنية الرجوع، وكان ذلك بإذن الحاكم فإن له أن يرجع على اللقيط، وإن أنفق بغير أمر الحاكم بنية الرجوع، قال أحمد: يرجع على بيت المال.
قال ابن قدامة: «ومن أنفق عليه متبرعًا، فلا شيء له، سواء كان الملتقط أو غيره. وإن لم يتبرع بالإنفاق عليه، فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا أيسر، وكان ذلك بأمر الحاكم، لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف وإن أنفق بغير أمر الحاكم، محتسبا بالرجوع عليه، فقال أحمد: تؤدى النفقة من بيت المال » (^٤).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٤/ ٢٨١).
(٢) البحر الرائق (٥/ ١٦٧).
(٣) إعانة الطالبين (٣/ ٦١)، روضة الطالبين (٥/ ٤٢٧)، حاشيتا قليوبي وعميرة (٣/ ١٢٧)، كشاف القناع (٤/ ٢٢٨)، مطالب أولي النهى (٤/ ٢٤٤).
(٤) المغني (٦/ ٣٧ - ٣٨).
[ ٢٠ / ٣٨٥ ]
وجاء في الإنصاف: «قال الناظم: إن نوى الرجوع، واستأذن الحاكم رجع على الطفل بعد الرشد، وإلا رجع على بيت المال» (^١).
القول الثالث:
يرجع إذا نوى الرجوع، ولو لم يستأذن الحاكم، خرجها بعض أصحاب الحنابلة على الروايتين فيمن أدى حقًا واجبًا عن غيره بنية الرجوع (^٢).
قال ابن رجب في القواعد: «ومنها: نفقة اللقيط خرجها بعض الأصحاب على الروايتين - فيمن أدى حقًا واجبًا عن غيره بنية الرجوع - ومنهم من قال: يرجع ههنا قولًا واحدًا، وإليه ميل صاحب المغني؛ لأن له ولاية على الملتقط، ونص أحمد أنه يرجع بما أنفقه على بيت المال» (^٣).
والصواب: أنه يرجع بما أنفقه على اللقيط بشرطين:
ألا تكون نفقته من فروض الكفاية، لأن النفقة إذا كانت واجبة عليه لم يرجع بها.
الثاني: أن ينوي الرجوع بما أنفق، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) الإنصاف (٦/ ٤٣٣).
(٢) تصحيح الفروع (٤/ ٥٧٥)، الإنصاف (٦/ ٤٣٣).
(٣) القواعد (ص: ١٥٤)، وانظر الإنصاف (٦/ ٤٣٣).
[ ٢٠ / ٣٨٦ ]