الترجيح بذكر وصف خفي
[م-٢٠٧٥] إذا ادعى نسب اللقيط رجلان، ولم يكن لأحدهما بينة، وقام أحدهما بذكر علامة خفية في جسده فطابق وصفه، ولم يصفه الآخر، فهل يقدم واصف العلامة على غيره؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
إذا وصف أحدهما علامة مستورة في جسده، قدم بذلك، وحكم له، وهذا مذهب الحنفية (^١).
جاء في الهداية: «وإن ادعاه اثنان، ووصف أحدهما علامة في جسده فهو أولى به؛ لأن الظاهر شاهد له لموافقة العلامة» (^٢).
القول الثاني:
لا ترجيح بينهما في دعوى النسب بذكر علامة خفية في جسده، وعليه يكونان متساويين في الدعوى، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).
_________________
(١) فتح القدير لابن الهمام (٦/ ١١٢)، المبسوط (١٧/ ١٢٩)، بدائع الصنائع (٦/ ٢٥٣)، الهداية شرح البداية (٢/ ٤١٥)، الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٣٠).
(٢) الهداية شرح البداية (٢/ ٤١٥).
(٣) روضة الطالبين (٥/ ٤٤١)، حاشية الرملي على أسنى المطالب (٤/ ٤٣٢)، الإقناع في فقه الإمام أحمد (٢/ ٤٠٩)، المبدع (٥/ ٣٠٩)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٩٥)، كشاف القناع (٤/ ٢٣٨)، مطالب أولي النهى (٤/ ٢٦٤).
[ ٢٠ / ٣٥٥ ]
إلا أن الحنابلة قالوا: إن تنازعا في الالتقاط قدم صاحب العلامة وإن تنازعا في دعوى النسب لم يقدم صاحب العلامة (^١).
قال النووي: «وصف أحد المتداعيين أثر جراحة، أو نحوه، أو بظهره، أو بعض أعضائه الباطنة، وأصاب، لا يقدم» (^٢).
وقال ابن قدامة: «وإذا لم توجد قافة، أو أشكل الأمر عليها، أو تعارضت أقوالهما، أو وجد من لا يوثق بقوله، لم يرجح أحدهما بذكر علامة في جسده؛ لأن ذلك لا يرجح به في سائر الدعاوى، سوى الالتقاط في المال، ويضيع نسبه، هذا قول أبي بكر» (^٣).
وإذا كانا متساويين في الدعوى فسوف يأتينا إن شاء الله كيفية العمل عند التساوي في الدعاوى، ولا مرجح.
° وجه هذا القول:
أن التحاكم في سائر الدعاوى إلى البينات، قال الحنابلة: إلا ما ورد في اللقطة، حيث اعتبر العلامة دليلًا على ملك صاحبها لها.
والصحيح أن الحكم إلى كل شيء يبين الحق، ومنها العمل بالقرائن، والعلامات.
وليس العمل بالعلامات خاصًا بالتنازع بالالتقاط بل هو عام في كل شيء.
_________________
(١) الإنصاف (٦/ ٤٤٥)، المبدع (٥/ ٣٠٠)، مطالب أولي النهى (٤/ ٢٥٣).
(٢) روضة الطالبين (٥/ ٤٤١).
(٣) المغني (٦/ ٤٩).
[ ٢٠ / ٣٥٦ ]
قال ابن رشد: «ومما يعتبر به في دفع اللقطة إلى صاحبها بالصفة قول الله ﷿: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (^١). [يوسف: ٢٦، ٢٧].
وجه الاستدلال:
حيث جعل صفة الخرق في القميص دليلًا على الإدانة والبراءة، ولم يتوقف ذلك على البينة، فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم.
(ح-١٢٥٠) ولما رواه البخاري في قصة المتلاعنين، وفيه: قال رسول الله - ﵇ -: انظروا فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الأليتين، خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها، فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله - ﵇ - من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه (^٢).
(ح-١٢٥١) وفي البخاري أيضًا في قصة تلاعن هلال بن أمية في قذفه لامرأته، قال النبي - ﵇ -: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك، فقال النبي - ﵇ -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن (^٣).
فهذه الأدلة كلها دليل على العمل بالأمارات، ومنها الأخذ بالعلامة والوصف.
* * *
_________________
(١) المقدمات الممهدات (٢/ ٤٨٣).
(٢) صحيح البخاري (٤٧٤٥)، وهو في مسلم بنحوه (١٤٩٢).
(٣) صحيح البخاري (٤٧٤٧).
[ ٢٠ / ٣٥٧ ]