[م-٢٠٩٣] اختلف العلماء في أركان العارية على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن ركن العارية هو الإيجاب من المعير، وأما القبول من المستعير فليس بركن استحسانًا، والقياس أن يكون ركنًا، وهو قول زفر (^١).
لأن العارية من قبيل هبة الانتفاع إلا أنها هبة مؤقتة، ولهذا صار الكلام في أركان العارية كالكلام في أركان الهبة، وقد قال ابن الهمام: «أكثر الشراح هاهنا على أن الهبة تتم بالإيجاب وحده» (^٢).
إلا أن القبض في الهبة والعارية جار مجرى الركن فصار كالقبول (^٣).
جاء في بدائع الصنائع: «أما ركنها: فهو الإيجاب من المعير، وأما القبول من المستعير فليس بركن عند أصحابنا الثلاثة استحسانا، والقياس أن يكون ركنا وهو قول زفر» (^٤).
° وجه الاستحسان:
أن العارية في اللغة عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير شريطة القبول،
_________________
(١) بدائع الصنائع (٦/ ٢١٤)،.
(٢) فتح القدير (٩/ ٢٠).
(٣) حاشية ابن عابدين (٥/ ٦٨٨).
(٤) بدائع الصنائع (٦/ ٢١٤).
[ ٢٠ / ٤٢٣ ]
وإنما القبول والقبض لثبوت حكمها، لا لوجودها في نفسها، فإذا أوجب فقد أتى بالعارية، فترتب عليها الأحكام، كما قالوا ذلك في الهبة (^١).
فالحنفية يقسمون التصرفات إلى قسمين: عقود، والركن فيها هو الصيغة فقط (الإيجاب والقبول).
وتصرف منفرد كالهبة والعارية يتم بالإيجاب وحده، فصار الركن في العارية الإيجاب فقط، والقبض فيها جار مجرى الركن، فصار كالقبول.
وأما أطراف العقد فليست من الأركان باتفاق الحنفية، لا في العقود ولا في التصرفات، فلا يعتبرون البائع والمشتري والعين المبيعة في عقد البيع من الأركان، كما لا يعتبرون المعير والمستعير والعين المعارة من أركان العارية.
وذلك أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الصيغة فقط، وهي الإيجاب والقبول في العقود، أو الإيجاب وحده في التصرفات كالإبراء والعتق، وأما أطراف العقد فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقته، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
وقد استدل الحنفية على مذهبهم بالآتي:
الدليل الأول:
أن من حلف أن يعير فلانًا، فأعاره ولم يقبل فقد بر في يمينه، لأن الإعارة
_________________
(١) انظر فتح القدير (٩/ ٢٠).
[ ٢٠ / ٤٢٤ ]
تتم بالإيجاب وحده، ولو حلف أن يبيع فلانًا، فباعه، فلم يقبل فقد حنث؛ لأن البيع لا يتم بالإيجاب وحده.
وهذا يصح أن يكون أثرًا للقول أكثر من كونه دليلًا على المسألة.
الدليل الثاني:
أن العارية تبرع بالمنفعة، والتبرع ليس عقدًا يفتقر إلى الإيجاب والقبول، بل هو من جنس التصرف كالإبراء، فيتم بالإرادة المنفردة، ويكون ركنه الإيجاب فقط.
الدليل الثالث:
كل دليل ذكرناه للحنفية على وقوع الهبة بالإيجاب وحده يصح دليلًا هنا، لأن العارية من قبيل هبة المنافع، وقد استوعبنا أدلة الحنفية في عقد الهبة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
القول الثاني:
أن أركان العارية أربعة: الصيغة (الإيجاب والقبول) والمعير، والمستعير، والعين المعارة، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).
وذلك أن الجمهور يرون أن الركن: هو ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا، سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود العارية متوقف على وجود المعير والمستعير، والعين المعارة، وإن لم تكن هذه الأشياء جزءًا من حقيقته.
_________________
(١) التاج والإكليل (٥/ ٢٦٨)، القوانين الفقهية (ص:٢٤٥)، الذخيرة (٦/ ١٩٧)، بداية المجتهد (٢/ ٢٣٥)، شرح الخرشي (٦/ ١٢١)، روضة الطالبين (٤/ ٤٢٥)، أسنى المطالب (٣/ ٣٢٤)، مغني المحتاج (٢/ ٢٦٤)، إعانة الطالبين (٣/ ١٢٧).
[ ٢٠ / ٤٢٥ ]
ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
قال في المصباح المنير: «والفرق عسر، ويمكن أن يقال: الفرق أن الفاعل علة لفعله، والعلة غير المعلول، فالماهية معلولة، فحيث كان الفاعل متحدًا استقل بإيجاد الفعل كما في العبادات، وأعطي حكم العلة العقلية، ولم يجعل ركنًا، وحيث كان الفاعل متعددًا لم يستقل كل واحد بإيجاد الفعل، بل يفتقر إلى غيره؛ لأن كل واحد من العاقدين غير عاقد بل العاقد اثنان، فكل واحد من المتبايعين مثلًا غير مستقل، فَبَعُد بهذا الاعتبار عن شبه العلة، وأشبه جزء الماهية في افتقاره إلى ما يقومه، فناسب أن يجعل ركنًا» (^١).
ولا حاجة إلى هذا الفارق العسر كما وصفه، بل يقال: مذهب الحنفية أقوى، ومطرد في تحديد أركان الشيء من عبادات ومعاملات.
* * *
_________________
(١) المصباح المنير (ص: ٢٣٧).
[ ٢٠ / ٤٢٦ ]
الفصل الأول