[م-٢١١٦] تقدم لنا أن فقهاء الأئمة الأربعة يشترطون في العين المعارة أن يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، والسؤال: إذا أعاره نقودًا كما لو أعاره دراهم أو دنانير، فهل تصح أو لا، وإذا صحت هل تكون عارية؟
وللجواب على ذلك نقول: نص الحنفية، والشافعية، والحنابلة على أنه إن أعاره الدراهم والدنانير ليزن بها جازت إعارتها كالثياب؛ لأنه أمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وذكرها ابن قدامة، ولم يحك فيها خلافًا، وعليه فليس للمستعير استهلاكها، والانتفاع بها بغير الصورة المعينة (^١).
وقال المرداوي: «ذكر الأزجي خلافًا في صحة إعارة دراهم ودنانير للتجمل والزينة» (^٢).
وإن استعارها لينفقها فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تصح إعارة الدراهم والدنانير، ويكون لفظ الإعارة كناية في القرض؛ وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة في المشهور (^٣).
_________________
(١) فتح القدير لابن الهمام (٩/ ١٤)، الجوهرة النيرة (١/ ٣٥٢)، درر الحكام شرح مجلة الأحكام (٢/ ٣٤٣)، تحفة المحتاج (٥/ ٤١٤)، نهاية المحتاج (٤/ ٢٤٥)، روضة الطالبين (٤/ ٤٢٧)، المغني (٥/ ١٣١).
(٢) الإنصاف (٦/ ١٠٥).
(٣) المبسوط (١١/ ١٤٥)، تبيين الحقائق (٥/ ٨٧)، المغني (٥/ ١٣١).
[ ٢٠ / ٤٩٧ ]
° وجه القول بذلك:
الوجه الأول:
أن الإعارة إذن في الانتفاع، ولا يتأتى الانتفاع بهذه الأشياء إلا باستهلاك عينها، ولا يملك استهلاكها إلا إذا ملكها، فاقتضت تمليك عينها ضرورة، وذلك بالهبة أو بالقرض، والقرض أدناهما ضررًا لكونه يوجب رد المثل، وهو يقوم مقام العين، ولذلك حكم به في حال التلف.
جاء في المبسوط: «وعارية الدراهم والدنانير والفلوس قرض؛ لأن العارية إذن في الانتفاع، ولا يتأتى الانتفاع بالنقود إلا باستهلاك عينها، فيصير مأذونًا في ذلك، وفيه طريقان: إما الهبة، أو القرض، فيثبت الأقل لكونه متيقنًا به، ولأن المستعير يلتزم رد العين بعد الانتفاع، ويتعذر هنا رد العين فيقام رد المثل مقام رد العين» (^١).
وفي التاج والإكليل نقلًا من المدونة: «من استعار عينًا، أو فلوسًا، فهو سلف مضمون، لا عارية» (^٢).
الوجه الثاني:
أن العبرة في العقود بمعانيها لا بألفاظها، فإذا قال: وهبت هذا الثوب بعشرة، فهذا بيع، وإن كان بلفظ الهبة، وإذا قال: أعرتك هذه النقود فهذا قرض، وإن كان بلفظ العارية، ولو قال: أعرتك هذا البيت شهرًا بكذا، كان
_________________
(١) المبسوط (١١/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٢) التاج والإكليل (٤/ ٥٤٨).
[ ٢٠ / ٤٩٨ ]
إجارة. وقد تقدم لنا بحث مستقل في عقد البيع وبينت فيه أن المعتبر في العقود المعاني، وليس الألفاظ والمباني.
القول الثاني:
لا تجوز إعارة الدراهم والدنانير، وليس له أن يشتري بها شيئًا، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^١).
قال النووي في الروضة: «الركن الثالث: المستعار، وله شرطان، أحدهما: كونه منتفعًا به مع بقاء عينه، كالعبد والثوب فلا يجوز إعارة الطعام قطعًا، ولا الدراهم والدنانير على الأصح» (^٢).
وفي أسنى المطالب: «ولا يعار النقدان إذ منفعة التزين بهما والضرب على طبعهما منفعة ضعيفة قلما تقصد، ومعظم منفعتهما في الإنفاق والإخراج، إلا للتزين أو الضرب على طبعهما فيما يظهر بأن صرح بإعارتهما لذلك، أو نواها فيما يظهر فتصح لاتخاذه هذه المنفعة مقصدا، وإن ضعفت» (^٣).
° دليل الشافعية على اعتبار اللفظ في العقود:
الدليل الأول:
قواعد مذهب الشافعية أن العبرة في العقود هوا للفظ دون النظر إلى المعنى (^٤).
_________________
(١) روضة الطالبين (٤/ ٤٢٦)، أسنى المطالب (٢/ ٣٢٥)، المغني (٥/ ١٣١).
(٢) روضة الطالبين (٤/ ٤٢٦).
(٣) أسنى المطالب (٢/ ٣٢٥).
(٤) قال النووي في المجموع عند الكلام على بيع التلجئة، وهو أن يتواطأ العاقدان على البيع خوفًا من ظالم ونحوه، ولا يريدان البيع حقيقة، قال ﵀ في المجموع (٩/ ٣١٤): «والصحيح صحته؛ لأن الاعتبار عندنا بظاهر العقود، لا بما ينويه العاقدان».
[ ٢٠ / ٤٩٩ ]
واللفظ المستعمل هو العارية، وهو صريح في بابه، والعارية: هو بذل للمنفعة مع بقاء العين، والنقود ليس لها منفعة إلا باستهلاكها، فتبطل العارية، ولا نحمل اللفظ على معنى القرض، ونخالف اللفظ الصريح.
الدليل الثاني:
أن حمل العارية على القرض اعتبار بالمعنى، واعتبار المعنى هنا يؤدي إلى إهمال اللفظ وهذا لا يصح، لأن ألفاظ اللغة لا يعدل بها عما وضعت له في اللغة، فيطلق اللفظ لغة على ما وضع له، فكذا ألفاظ العقود.
ويجاب عن ذلك:
بأن القول بأن ألفاظ اللغة لا يعدل بها عما وضعت له في اللغة، هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على ذلك.
الدليل الثالث:
العقود تفسد باقتران شرط مفسد، ففسادها بتغير مقتضاها أولى.
ويجاب:
بأن الشرط مؤثر في صحة العقد، فقد يشترط ما يخالف الشرع، وقد يشترط ما ينافي مقتضى العقد، بخلاف اللفظ فلا يشترط له لفظ معين، وإنما اللفظ وسيلة لمعرفة حصول الرضا من العاقدين، فإذا تحقق الرضا بأي لفظ كان فقد حصل المقصود.
[ ٢٠ / ٥٠٠ ]
الدليل الرابع:
الأصل حمل الكلام على ظاهره، ولو حملنا الكلام على غير ظاهره بطلت فائدة اللغة وفائدة التخاطب.
ويجاب:
نعم الأصل حمل الكلام على ظاهره إلا إذا تعذر ذلك لقرينة حالية أو عرفية، فكما أن الأصل حمل الأمر على الوجوب والنهي على التحريم إلا لقرينة صارفة، فكذلك هنا، فنحن لم نترك ظاهر اللفظ إلا عند تعذره، وكنا بين أمرين إما أن نأخذ بهذا الظاهر والذي تيقنا أنه غير مراد للعاقدين، وبالتالي نبطل العقد، وإما أن نترك هذا الظاهر لقرينة صارفة، ونعمل بالمعنى الذي أراده العاقدان، ولاشك أن إمضاء العقود خير من إبطالها بسبب لفظ ظاهر غير مراد، وإعمال الكلام خير من إهماله.
القول الثالث:
إذا دفع النقود أو الطعام بلفظ الإعارة، فيحتمل أن يكون إباحة الانتفاع على وجه الإتلاف. اختاره ابن عقيل من الحنابلة.
° وجه هذا القول:
أن الإعارة هو الانتفاع بالعين المعارة، فإذا بقيت وجب ردها، وإن كانت تتلف بالاستعمال وأعطاها بلفظ الإعارة، كان هذا إباحة في إتلافها، والله أعلم.
جاء في شرح منتهى الإرادات عن ابن عقيل في الأشياء التي لا ينتفع بها إلا مع تلف عينها، كأطعمة، وأشربة، «إن أعطاها بلفظ إعارة، فقال ابن عقيل
[ ٢٠ / ٥٠١ ]
يحتمل أن يكون إباحة الانتفاع على وجه الإتلاف، نقله المجد في شرحه، واقتصر عليه» (^١).
° الراجح:
أرى أن إعارة الدراهم إن كان ذلك للتزين فهو إعارة حقيقية، وإن كان للاستهلاك فهي كناية عن القرض، والله أعلم.
_________________
(١) شرح منتهى الإرادات (٢/ ٢٨٨).
[ ٢٠ / ٥٠٢ ]