[م-٢١٢١] ناقش الفقهاء في عصرهم إعارة الدواب؛ لأنها هي المركوب في عصرهم، وخلافهم يجري على وسائل النقل في عصرنا.
قال السرخسي: «لا يشترط إعلام المدة، أو المكان في الإعارة؛ لأن اشتراط ذلك في المعاوضات لقطع المنازعة، وذلك لا يوجد في العارية؛ لأنه لا يكن بينهما منازعة إذا أراد المعير الاسترداد، ولأن المعاوضات يتعلق بها صفة اللزوم، وذلك لا يتحقق في غير المعلوم، فأما العارية فلا يتعلق بها صفة اللزوم؛ فلهذا لا يشترط إعلام المكان، ولا إعلام المدة، ولا إعلام ما يحمل على الدابة، وعند إطلاق العقد للمستعير أن ينتفع بالدابة من حيث الحمل والركوب كما ينتفع بدابة نفسه في قليل المدة وكثيرها ما لم يطالبه المالك بالرد» (^١).
وفي بدائع الصنائع: «الجهالة في باب العارية لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنها عقد جائز غير لازم» (^٢).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٣٤).
(٢) بدائع الصنائع (٦/ ٢١٥).
[ ٢٠ / ٥١٧ ]
وقال الكاساني أيضًا: «عقد الإعارة لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كان مطلقًا، وإما إن كان مقيدًا، فإن كان مطلقا بأن أعار دابته إنسانا ولم يسم مكانًا ولا زمانًا ولا الركوب ولا الحمل، فله أن يستعملها في أي مكان وزمان شاء.
وله أن يركب أو يحمل؛ لأن الأصل في المطلق أن يجري على إطلاقه، وقد ملكه منافع العارية مطلقًا، فكان له أن يستوفيها على الوجه الذي ملكها، إلا أنه لا يحمل عليها ما يعلم أن مثلها لا يطيق بمثل هذا الحمل، ولا يستعملها ليلا ونهارًا ما لا يستعمل مثلها من الدواب لذلك عادة، حتى لو فعل فعطبت يضمن؛ لأن العقد وإن خرج مخرج الإطلاق، لكن المطلق يتقيد بالعرف والعادة دلالة، كما يتقيد نصًا» (^١).
وإذا كانت الإعارة مقيدة لم يخالفها المستعير إلى ما هو أشد من المأذون.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «إذا كانت الإعارة مقيدة بزمان أو مكان يعتبر ذلك القيد، فليس للمستعير مخالفته مثلا إذا استعار دابة ليركبها أربع ساعات وكذلك استعار فرسًا ليركبه إلى محل فليس له أن يركبه إلى محل غيره.
إذا قيدت الإعارة بنوع من أنواع الانتفاع فليس للمستعير أن يتجاوز ذلك النوع المأذون به إلى ما فوقه لكن له أن يخالف باستعمال العارية بما هو مساو لنوع الاستعمال الذي قيدت به أو بنوع أخف منه.
مثلا لو استعار دابة ليحملها حنطة فليس له أن يحمل عليها حديدًا أو حجارة، وإنما له أن يحملها شيئًا مساويًا للحنطة، أو أخف منها، وكذا لو استعار دابة
_________________
(١) بدائع الصنائع (٦/ ٢١٥)، وانظر مجلة الأحكام العدلية، مادة (٨١٦).
[ ٢٠ / ٥١٨ ]
للركوب فليس له أن يحملها حملًا. وأما الدابة المستعارة للحمل فإنها تركب» (^١).
وقال السرخسي: «وإن استعار الدابة يومًا إلى الليل، ولم يسم ما يحمل عليها لم يضمن إذا هلكت؛ لأنه قبضها بإذن صحيح، ولكن إن أمسكها بعد مضي اليوم فهو ضامن لها» (^٢).
فإن خالف المستعير ما أذن له، فإما أن تهلك، وإما أن تسلم، فإن هلكت فإنه ضامن بالاتفاق (^٣).
جاء في شرح الخرشي: «المستعير يفعل بالعارية ما أذن له في فعله، ويفعل بها أيضًا مثل ما استعارها له، ودونه، ولا يجوز له أن يفعل بها أضر مما استعارها له، فإنه يضمنها حينئذ إذا عطبت» (^٤).
وجاء في التاج والإكليل: «من استعار دابة ليحمل عليها حنطة فجعل عليها حجارة، فكل ما حمل مما هو أضر بها مما استعارها له فعطبت به فهو ضامن، وإن كان مثله في الضرر لم يضمن كحمله عدسًا في مكان حنطة، أو كتانًا أو قطنا في مكان بر» (^٥).
وجاء في البيان للعمراني: «وإن استعار دابة لتركبها امرأته زينب، فهل له أن
_________________
(١) مجلة الأحكام العدلية، مادة (٨١٧، ٨١٨).
(٢) المبسوط (١١/ ١٣٧)، وانظر الفروق للكرابيسي (٢/ ٢٦).
(٣) مجمع الضمانات (ص: ٦٠)، الجوهرة النيرة (١/ ٣٥١)، الفتاوى الهندية (٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، الخرشي (٦/ ١٢٥)، الشرح الكبير للدردير (٣/ ٤٣٧)، التاج والإكليل (٥/ ٢٧٠)،.
(٤) شرح الخرشي (٦/ ١٢٥)، وانظر الشرح الكبير (٣/ ٤٣٧).
(٥) التاج والإكليل (٥/ ٢٧٠).
[ ٢٠ / ٥١٩ ]
يركبها عمرة؟ ينظر فيه:
فإن كانت عمرة أثقل منها لم يكن له ذلك؛ لأن ذلك انتفاع غير مأذون فيه، وإن كانت عمرة مثلها، أو أخف منها .. ففيه وجهان، حكاهما الطبري:
أحدهما: يجوز، وبه قال أبو حنيفة، كما قلنا في الإجارة.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه انتفاع غير مأذون فيه، فلم يجز، كما لو كانت أثقل منها» (^١).
* * *
_________________
(١) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٦/ ٥١٧).
[ ٢٠ / ٥٢٠ ]