الأصل في كل المهن الإباحة ما كانت، ولا يثبت تحريم نوع إلا بنص، وما يثبت بالنص تحريمه قليل جدا وهو: كاتب الربا وشاهداه وهذا يشمل طباعة الوثائق والمحاسب الربوي، ومدخل البيانات، والشيكات، والكمبيالات، والسندات، والشاهد على ذلك -سواء كان شخصا، أو جهة كشركة، أو بنك- فإن هذا محرم «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه» (٢).
ويحرم امتهان صناعة الخمر فرديا أو جماعيا أو رسميا أو أهليا. وكل ما تعلق بخدمة الخمر وصناعته وتوريده وتوزيعه وتقديمه فهو محرم بالنص «لعن الله في الخمر عشرة عاصرها ومتعصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له» (٣).
_________________
(١) - سبق تخريجه.
(٢) - سبق تخريجه.
(٣) - حديث «لعن الله في الخمر عشرة» حديث حسن صحيح، أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم ٤٧٨٧ قال: ثنا وكيع حدثنا عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز عن أبي طعمة مولاهم وعن عبدالرحمن بن عبدالله الغافقي أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: لعنت الخمرة على عشرة وجوه لعنت الخمر بعينها وشاربها وساقيها =
[ ١ / ٨٤ ]
وتهريب المخدرات بأنواعها محرم، والمعاونة على ذلك بأي شكل أو وسيلة (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢).
ولا تجوز وظيفة في ملهى ماجن ما كانت؛ لأنها تعاون على الإثم.
وكل وظيفة فيها معصية منصوصة بالدليل الثابت فهي من المكاسب المحرمة.
وأقبحها العمالة للعدو على المسلمين؛ لإطلاعه عدوهم على أسرارهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١).
وعمل القوّاد (١) محرم، والساحر، وكذا تجارة الأعراض، وجاسوس على الشعب لحاكم لعموم (وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: ١٢)، وعصابات بيع الأعضاء، والقرصنة البحرية أو البرية أو الجوية أو الإلكترونية، أو ناشر ضلالة، وهؤلاء يجتهد القضاء في عقوبتهم وقد تصل إلى حد الحرابة؛ لأنه فساد في الأرض (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
مهمات الوظائف:
وأهم الوظائف التعليمُ، والفتوى، والدعوة إلى الله، وولايةٌ عامةٌ لعادل، والقيام على الحقوق
_________________
(١) = وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها. قلت: هذا سند حسن. أبو طعمة هو هلال الأموي، قال الذهبي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب مقبول. وعبدالرحمن الغافقي قال في التقريب مقبول. قلت: فمجموع روايتهما يشهد بعضها لبعض فيحسن الحديث ولكنه صحيح بشواهده فهو عند ابن ماجة من حديث أنس برقم ٣٣٨١ وفيه شبيب بن بشر، قال ابن معين: ثقة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ. قلت: وقد وجدت له متابعا في مسند أبي يعلى الموصلي إذ تابعه عبدالله بن عبدالله بن عمر عن أبيه وهو ثقة، فهذه متابعة جيدة. والمتابعة كذلك عند أحمد برقم ٥٧١٦. وعند الحاكم برقم ٢٢٣٥. وله متابعة أخرى من طريق عبدالعزيز بن عمر عن نافع عن ابن عمر عند الطبراني في المعجم الأوسط برقم ٧٨١٦، وفي الكبير برقم ٧١٣. وأخرج الحديث الحاكم برقم ٢٢٣٤ من حديث ابن عباس، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وشاهده حديث عبدالله بن عمر ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص صحيح. وقال الترمذي: وقد روي نحو هذا عن ابن عباس وابن مسعود ﵃.
(٢) - القوّاد أي السمسار للدعارة.
[ ١ / ٨٥ ]
للشرائح الضعيفة والدفاع عنها، ونصرة المظلوم، والقضاء، والمالية، والإعلام، والأمومة، والتربية، والطب، والجيش، والزراعة، والصناعة، وعلوم النهضة.
أما التعليم؛ فلأنه وسيلة لحفظ الدين والدنيا وحفظ العقل وهو أحد المقاصد الكبرى.
وأما الفتوى والدعوة إلى الله فلقوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: ٣٣).
وأما الولاية العامة لعادل؛ فلأنها وسيلة لحفظ المقاصد الكبرى، وجلب المصالح ودفع المفاسد عن الناس.
وما عظم فيه منفعة الخلق عظم طلبه شرعا.
وأما القيام على الحقوق ونصرة المظلوم فلعموم «القائم على المسكين والأرملة كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر» (١).
فيعم النقابات والمنظمات والهيئات والمؤسسات والجمعيات المدافعة عن الحقوق والدافعة للضرر الواقع والمتوقع.
وأما القضاء فلفصله النزاع ودفع الخصومة والفتنة ورفع المظالم، وهذا مقصود شرعي معلوم ضرورةً بِحَكم النصوص وتعليلاتها ودلالاتها، والاختلال فيه باب فساد عام وفتنة.
وأما حفظ المالية سواء كان عاما أو خاصا؛ فلأنه يخدم أحد أكبر مقاصد الشريعة الكبرى وهو حفظ المال وبه تقوم الحياة (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥)، فسماها قياما أي: للحياة.
وأما الإعلام؛ فلأنه قولٌ للحق، ونشر للفضيلة على وجه عام لا يقوم غيره مقامه، وصلاح العمل تابع لسداد القول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: ٧٠ - ٧١).
وأما الأمومة؛ فلأنها تحفظ الطفولة والنشء، وهو مقصد شرعي ضروري يعبر عنه بحفظ النسل.
_________________
(١) - حديث «القائم على المسكين ..» أخرجه البخاري برقم ٥٣٥٣ من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار».
[ ١ / ٨٦ ]
وأما التربية فهي رعاية المكارم وترك أضدادها (١)، وهو مقصود معتبر في الشرع، موصل إلى الإصلاح المجتمعي العام.
وأما الطب؛ فمتعلق بحفظ النفس.
وأما الجيش؛ فمتعلق بحماية المقاصد والجهاد والأمن والاستقرار.
وأما الزراعة والصناعة والإنتاج فوسائل ضرورية وحاجية للاستخلاف في الأرض.
وأما علوم النهضة والتكنولوجيا؛ فلأنها موصلة إلى تمام القوة والتمكين في الأرض، وهذا مقصود شرعي (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥).
_________________
(١) - راجع ذلك في «فقه التربية والتعليم» من كتابنا هذا.
[ ١ / ٨٧ ]