- الإنسان حمل أمانة تبرأت منها الجبال والسماوات والمخلوقات، فكيف إذا كانت تلك الأمانة التي بين يديك هي الإنسان نفسه!؟
- المرض حالة من حالات الحياة، موضوعة لتختبر التصرفات فيها من المريض والمجتمع
- لا تكشف أسرار ما تطلع عليه من المريض؛ لأنها أمانات
* حفظ العورات وسترها من الفرائض الكبرى، ولا تُكْشف إلا للضرورة القصوى، وبقدر الضرورات فقط
[ ١ / ٨٩ ]
الفقه الطبي
مهنة الطب: فرض كفاية، وما لا يقوم فرض الكفاية إلا به فهو فرض مثله؛ لأن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد (١)، كبناء الجامعات الطبية المتخصصة عالية التقنية، وتأهيل الأطباء بتخصصات فائقة، وتوفير مجالات البحث ومراكزه، والدراسات العليا.
والطب تتعلق به من المقاصد الستة للشريعة: حفظ النفس والنسل.
وعلى المريض التوبة النصوح فإنه في أشد الأوقات حاجة إلى الله ويُذكَّر بالله والتخلص من الذنوب، وهذا على الطبيب وغيره.
ويجب على الطبيب أمر من يمرضه بالصلاة والصيام إن رآه قصر؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى، ولأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن التناصح (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ٣).
ولا يجوز لطبيب أن يأمر المريض بترك الصلاة أو ركن منها، أو ترك الصيام. بل يشخص الحالة طبيًا ويعرض المسألة فقهيًا على عالم يفتي في ذلك؛ لقوله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: ٣٦)، ولقوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: ٧).
وأمراض النساء يجب أن تختص بها النساء في الأصل، دفعا لمفسدة كشف العورات للرجال الأجانب وإقامة لفرض الكفاية.
وتخصص له أخصائيات؛ لأن المرأة عرض، ويحرم كشف عوراتها إلا لزوج لا لغيره، ولو كان أخا أو محرما.
ولا يجوز في الحالات الجارية مجرى العاديات أن يولد المرأة إلا امرأة، ويحسن خبيرة، أو طبيبة نساء وتوليد، وللزوج توليد زوجته، ولا يجوز للرجل الأجنبي ذلك ولو كان طبيبا إلا للضرورة ولا ضرورة اليوم في ذلك؛ لكثرة طبيبات النساء، فإن تعذر ذلك وتضررت المرأة في الولادة لعسر ولادتها، ولا توجد طبيبة، أو توجد ولا يسمح زمن بالذهاب إليها فيذهب
_________________
(١) - تقدمت.
[ ١ / ٩٠ ]
بها ولو إلى طبيب أجنبي لتوليدها دفعا للضرر البالغ عنها، والضرورات تبيح المحضورات (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة: ١٧٣)، وتقدر الضرورة بقدرها ولا يزاد عليها، فيكشف من المرأة ما لا بد منه للعملية أو الولادة فحسب.
ويؤمر المريض بالصدقة «داوو مرضاكم بالصدقة» (١)، وكذا الاستغفار، فإنه قوة لقوله تعالى (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (هود: ٥٢).
والتوبة من الذنوب قال ﷺ: «ما اختلج عرق ولا عين في ابن آدم إلا بذنب وما يدفع الله عنه أكثر» (٢).
والدعاء لله (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ) (النمل: ٦٢).
وزيارة المريض قربة عظيمة عند الله للأدلة على ذلك (٣).
_________________
(١) - حديث «داووا مرضاكم بالصدقة» أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه موسى بن عمير الكوفي ضعيف. وأخرجه الإمام أبو الطاهر السلفي في الدعاء مخطوط جوامع الكلم (إسلام ويب) عن عبادة بن الصامت. قلت: والسند إلى عبادة بن الصامت سند يُحَسَّنُ مِثْلُهُ، وقد وجدتُ له متابعا جيدا من طريق محمد بن خريم عن هشام بن عمار عن عراك بن خالد عن صالح بن صبيح عن أبيه عن إبراهيم ابن أبي عبلة عن عبادة وهو في معجم الشيوخ لابن عساكر ط/ دار البشائر -دمشق برقم ١٥٤٤، إلا أنه نبه على علةٍ فقال: إبراهيم لم يدرك عبادة. وللحديث شواهد أدت إلى تحسينه عند بعض أهل العلم من المتقدمين، ومن لم يعتمدها ضعفه بالمرة، كالعجلوني في كشف الخفا ناقلا عن البيهقي وغيره. وأما هو فقال: إن له شواهد. وخلاصة الحديث عندي أنه لا بأس به ونظرا للخلاف فيه اضطرب فيه قول الألباني محسنا ومضعفا. ويغني عنه قوله تعالى (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠) فمن تصدق ناويا الشفاء أحسن الله إليه بذلك لعموم النص.
(٢) - حديث «ما اختلج عرق » أخرجه الطبراني في المعجم الصغير برقم ١٠٥٣ بسند حسن عن البراء بن عازب بلفظ (ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب وما يدفع الله عنه أكثر) وفي مجمع الزوائد برقم ٣٧٥٥ قال: فيه الصلت بن بهرام وهو ثقة إلا أنه كان مرجئا، وحسنه المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير ط/ مكتبة الشافعي -الرياض.
(٣) - قولنا «للأدلة على ذلك»: الأدلة على زيارة المريض بالغة حد التواتر وهي مخرَّجة في الموطأ وفي الصحيحين، وفي السنن الأربع، وفي مسند أحمد، وفي صحيح ابن خزيمة، وابن حبان، ومسند البزار والطيالسي، ومسند أبي يعلى، والسنن الكبرى للبيهقي، ومستخرج أبي عوانه، وسنن سعيد بن منصور، والأدب المفرد للبخاري، ومعاجم الطبراني، وشعب الإيمان للبيهقي، ومسند الروياني، ومصنف ابن أبي شيبه وعبدالرزاق، والمعرفة لأبي نعيم، وكتاب الأربعين للطوسي، وانظر كذلك الترغيب والترهيب للمنذري، وبالجملة فزيارة المريض من أعظم القربات عند الله ﷾ حتى إن العبد مسئول عنها كما في الحديث الصحيح «مرضت فلم تعدني» وهو في صحيح مسلم برقم ٦٧٢١ من حديث أبي هريرة، فهذا يدل على أن زيارة المريض تكليف شرعي بدلالة السؤال المحاسبي عنها أمام الله.
[ ١ / ٩١ ]
ومن زار مريضا دعا له (١).
ويحرم على الطبيب إفشاء سر مما أطلعه عليه المريض إلا لأمر شرعي ويرجع في تقرير ذلك إلى عالم (٢).
ويحرم على المرأة أن تكشف عورتها لطبيب، وكذا رجل على طبيبة إلا في الحال الطارئ الضروري من إنقاذ حياة ونحوها.
أما في الحالات التي جرت عليها العادة وهي غير حالة الضرورة؛ فإن المرأة لا تولدها إلا المرأة، ويحرم على الرجل ولو كان محرما لها كأخ أو أب إلا الزوج.
وإذا دعت الضرورة لكشف عورة المريض فإن الضرورة تقدر بقدرها، ولا يتوسع في هذا.
فإذا زال الداعي لذلك عادت الحرمة.
ويجب على الطبيب النصيحة للمريض والحرص على صحته وماله، فلا يكلفه ما يمكن الاستغناء عنه ولا داعي له من فحوصات، ورقود، وأدوية؛ لأن الدين النصيحة (٣).
_________________
(١) - قولنا «ومن زار مريضا دعا له» لما ثبت من الأحاديث الكثيرة، فمنها ما أخرجه البخاري برقم ٥٦٥٥ من حديث سعد حين زاره النبي ﷺ. ومن حديث ابن عباس في البخاري برقم ٥٦٥٦ حينما زار النبي ﷺ أعرابيا فقال له «طهور». وغير ذلك كثير.
(٢) - قولنا «ويرجع في تقرير ذلك إلى عالم»؛ لأن المسألة إذا كانت شرعية تتعلق بها الفتوى فإنه لا يفتي فيها إلا العالم، وإن كانت قانونية رُجعَ فيها إلى أهله.
(٣) - قولنا «لأن الدين النصيحة» أخرجه مسلم برقم ٢٠٥ عن تميم الداري أن النبي ﷺ قال «الدين النصيحة». قلنا: لمن؟ قال «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». وهذا من الأحاديث التي يرجع إليها في أحكام كثيرة، وقد عدها كثير من العلماء من الأصول، وجعلوها في الأربعينيات كالأربعين للنووي وغيرها. وقد تكلم العلماء في فقه هذا الحديث كثيرا، كالخطابي، والقاضي عياض، والنووي، وابن حجر، ولخص جملة حسنة من =
[ ١ / ٩٢ ]
وإذا اقتضى الأمر أن يدل مريضه على طبيب غيره أو مستشفى فإنه يجب ذلك؛ لأن
_________________
(١) = ذلك الإمام النووي في شرحه على مسلم ط/ دار إحياء التراث (١/ ١٤٤)، ونحن ننقله بتمامه لفائدته، قال الإمام النووي: هذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الإسلام كما سنذكره من شرحه. وأما ما قاله جماعات من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام أي أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام فليس كما قالوه، بل المدار على هذا وحده. وهذا الحديث من أفراد مسلم، وليس لتميم الداري في صحيح البخاري عن النبي ﷺ شيء، ولا له في مسلم عنه غير هذا الحديث. وقد تقدم في آخر مقدمة الكتاب بيان الاختلاف في نسبة تميم وأنه داري أو ديري. وأما شرح هذا الحديث فقال الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له. قال: ويقال: هو من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة. كما قالوا في الفلاح ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه. قال: وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه. فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب. قال: وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط. قال: ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة. كقوله: الحج عرفة أي عماده ومعظمه عرفة. وأما تفسير النصيحة وأنواعها فقد ذكر الخطابي وغيره من العلماء فيها كلاما نفيسا أنا أضم بعضه إلى بعض مختصرا. قالوا: أما النصيحة لله تعالى فمعناها منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها، وتنزيهه ﷾ من جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه، والبغض فيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمته، وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور، والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة، والحث عليها، والتلطف في جمع الناس، أو من أمكن منهم عليها. قال الخطابي ﵀: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه، فالله تعالى غني عن نصح الناصح. وأما النصيحة لكتابه ﷾ فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته. وأما النصيحة لرسول الله ﷺ فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه، وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته، ونشر شريعته، ونفي التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها، وإعظامها، وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته، أو تعرض لأحد من أصحابه، ونحو ذلك. =
[ ١ / ٩٣ ]
الدين النصيحة، ويجب عليه في الحالات الطارئة والضرورية أو حالة لا يمكن علاجها إلا في تلك الجهة.
ولا يجوز لطبيب أن يحيل على عيادته حال دوامه الرسمي في المستشفى مع إمكان علاجه فيه؛ لأنه إضرار به وبماله، ومال المسلم حرام إلا بحقه (١)، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٢).
فإن قصد نفعه لعجز إمكانات المستشفى جاز.
وإذا اضطرت المرأة الطبيبة للعمل في مكان فيه أجانب، فإنه يجب عليها الحشمة، والحجاب، ويحرم المزاح مع الرجال الأجانب؛ لأنه من الخضوع في القول، أو الكلام الخارج
_________________
(١) = وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم. قال الخطابي ﵀: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح. وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات. وهذا هو المشهور. وحكاه أيضا الخطابي. ثم قال: وقد يتأول ذلك على الأئمة الذين هم علماء الدين، وأن من نصيحتهم قبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام، وإحسان الظن بهم. وأما نصيحة عامة المسلمين وهم من عدا ولاة الأمر فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم، وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، وتنشيط همهم إلى الطاعات. وقد كان في السلف ﵃ من تبلغ به النصيحة إلى الإضرار بدنياه. والله أعلم. هذا آخر ما تلخص في تفسير النصيحة. قال ابن بطال -﵀- في هذا الحديث: إن النصيحة تسمى دينا وإسلاما وإن الدين يقع على العمل كما يقع على القول. قال: والنصيحة فرض يجزي فيه من قام به، ويسقط عن الباقين. قال: والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه، ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه. فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة. والله أعلم.
(٢) - لحديث «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام » وقد تقدم تخريجه.
(٣) - متفق عليه، وقد تقدم تخريجه.
[ ١ / ٩٤ ]
عن الآداب واللياقة؛ لأنه ليس من القول المعروف (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢)، أو الحركات الخاضعة أو إظهار الزينة ورائحة العطور أو الخلوة بأجنبي.
فإن الله حرم ذلك كله:
(فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) (الأحزاب: ٣٢)، (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور: ٣١)، (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) (النور: ٣١).
وزميل العمل أجنبي في كل الأحكام.
وتسمية الزميل، والصديق للمرأة قد يؤدي إلى تساهل مضر، فيكون من تلبيس الشيطان، بل هو أجنبي.
فالرجال بالنسبة للمرأة إما مَحْرَمٌ، أو زوج، أو أجنبي.
والأجانب ولو كانوا من أهل الإيمان، فالأحكام واحدة، فلا تخضع بالقول، ولا تظهر الزينة، ولا تخلو (١)، ولا تفعل كل ما يمكن فهمه منها أنه تساهل وخضوع، أو يمكن أن يفتح باب الفتنة أو الشهوات.
_________________
(١) - قولنا «ولا تخلو» دليله ما أخرجه البخاري برقم (٣٠٠٦) ومسلم برقم (٣٣٣٦) من حديث ابن عباس، ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله، اكتتبت في غزوة كذا وكذا وخرجت امرأتي حاجّة. قال: اذهب فحج مع امرأتك. قال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٤/ ٢٧٨): وأما الأحاديث الواردة في المسألة فمنها ما روى عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إياكم والدخول علي النساء». فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو. قال: الحمو الموت» رواه البخاري ومسلم. الحمو قرابة الزوج، والمراد هنا قريب تحل له كأخ الزوج وعمه وابنهما وخاله وغيرهم. وأما أبوه وابنه وجده فهم محارم تجوز لهم الخلوة وإن كانوا من الأحماء وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال على المنبر «لا يخلون رجل بعد يومي هذا سرا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان» رواه مسلم. المغِيبة -بكسر الغين- التي زوجها غائب، والمراد هنا غائب عن بيتها وإن كان في البلدة وعن سهل بن سعد ﵁ قال «كانت فينا امرأة -وفى رواية كانت لنا عجوز- تأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر حبات من شعير فإذا صلينا الجمعة انصرفنا نسلم عليها فتقدمه إلينا» رواه البخاري. فهذا قد يمنع دلالته لهذه المسألة لأنه يحتمل أن يكون فيهم محرم لها، وليس فيه تصريح بالخلوة بها. والله أعلم.
[ ١ / ٩٥ ]
والتبرع بالدم جائز، وقد يجب لإنقاذ مضطر، بشرط عدم الضرر بالمتبرع؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، وفي الحديث «من تصدق بشيء من جسده كان له من الأجر بمثل ما تصدق» (١).
والتبرع بعضو تتعلق به حياة المتبرع محرم قطعا (٢).
_________________
(١) - حديث «من تصدق » أخرجه الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى بسند رجاله رجال الشيخين، برقم ٢٢٨٤٦ عن ابن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ «من تصدق من جسده بشيء كفّر الله تعالى عنه بقدر ذنوبه». وهو عند النسائي في الكبرى برقم ١١١٤٦. وله شاهد عند أبي يعلى بلفظ «من تصدق بدم أو دونه كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق». وسنده حسن في الشواهد والمتابعات؛ لأن فيه عمران بن ضبيان قال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه. وقال يعقوب الفسوي ثقة يميل إلى التشيع. وقال البخاري فيه نظر. قلت: وهو جرح شديد من البخاري. ولولا كلام أبي حاتم الرازي في اعتبار حديثه لأسقطناه ذهابا إلى قول البخاري، وإنما قدمنا أبا حاتم الرازي لأنه قال فيه ذلك مع أنه متشدد في الجرح فدل على صلاحيته في الشواهد والمتابعات.
(٢) - قولنا «محرم قطعا» للمجمع الفقهي تفاصيل في هذه المسألة، ومن المفيد أن ننقل قراره في ذلك، وهذا نصه: قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ١ - ١٧٤ - (١/ ٣٥) قرار رقم: ٢٦ (١/ ٤) بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيا كان أو ميتا مجلة المجمع (ع ٤، ج ١ ص ٨٩) إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨ - ٢٣ صفر ١٤٠٨ هـ الموافق ٦ - ١١ شباط (فبراير) ١٩٨٨ م، بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيا أو ميتا، وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع أمر واقع فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسته من دون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار، وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعا لها، قرر ما يلي: من حيث التعريف والتقسيم: أولا: يقصد هنا بالعضو أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها كقرنية العين. سواء أكان متصلا به، أم انفصل عنه. ثانيا: الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه. على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعا. =
[ ١ / ٩٦ ]
فإن كان من الأعضاء الثنائية كالكلى حرم كذلك؛ لأن البقاء بواحدة مفض للضرر والخطر،
_________________
(١) = ثالثا: تنقسم صور الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية: نقل العضو من حي. نقل العضو من ميت. النقل من الأجنة. الصورة الأولى: وهي نقل العضو من حي، تشمل الحالات التالية: نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة والدم ونحوها. نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر. وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه. أما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فرديا، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين. وأما ما لا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم ومنه مالا يقوم بها. ومنه ما يتجدد تلقائيا كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات، والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك. الصورة الثانية: وهي نقل العضو من ميت: ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين: الحالة الأولى: موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلا نهائيا لا رجعة فيه طبيا. الحالة الثانية: توقف القلب والتنفس توقفا تاما لا رجعة فيه طبيا. فقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة. الصورة الثالثة: وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات: حالة الأجنة التي تسقط تلقائيا. حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي. حالة اللقائح المستنبتة خارج الرحم. من حيث الأحكام الشرعية: أولا: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهود له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيا أو عضويا. ثانيا: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائيا، كالدم والجلد، =
[ ١ / ٩٧ ]
وأجاز بعض العلماء ذلك، فيجوز العمل بهذه الفتوى عند غلبة السلامة، بخلاف ما لو كانت الكلية الأخرى مشارفة على التلف، أو احتمال مشارفتها احتمالا غالبا بقول أطباء عدول فيحرم -حينئذ- إن تبرع بالأخرى (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) (النساء: ٢٩)، (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا) (البقرة: ١٩٥).
وما ليس فيه خطر على الحياة من الأعضاء الزوجية، كالعين مثلا فيحتمل الجواز؛ لأنه نوع إحسان (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥).
وأما ما لا يضر أصلا كالدم ونحوه فإنه جائز؛ ويجب لإنقاذ حياة آخر (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢).
وأما الأعضاء التناسلية والخصى والمبايض، فالراجح لدى المجامع الفقهية الحرمة؛ لأنه يعارض مقاصد الشريعة من حفظ العرض والنسل؛ لأن زراعة ذلك هو: إنتاج لنفس نسل
_________________
(١) = ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة. ثالثا: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية. رابعا: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر. خامسا: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها كنقل قرنية العين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءا من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة. سادسا: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك. بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولي أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له. سابعا: وينبغي ملاحظة: أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بواسطة بيع العضو. إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما. أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريما، فمحل اجتهاد ونظر. ثامنا: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية. والله أعلم.
[ ١ / ٩٨ ]
المتبرع في رحم غير زوجته وهذا محرم.
وإنما يجوز زراعة طفل الأنابيب من منوي الزوج إلى بويضة الزوجة، ثم وضعها في رحمها بعد ذلك.
وغيرها من الصور محرمة (١).
وإذا مات الدماغ والقلب نابض، فلا يجوز نزع أجهزة الإنعاش؛ لاحتمال الحياة على الراجح من فتوى فقهاء العصر، وهي مسألة خلافية شديدة.
_________________
(١) - قولنا «وغيرها من الصور محرمة»، قلت: بيان ذلك في قرار المجمع الفقهي، في مجلة المجمع -العدد ٣ (١/ ٤٢٣) وهذا نصه: قرار رقم ١٦ (٤/ ٣) بشأن أطفال الأنابيب إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ - ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ /١١ - ١٦ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٨٦ م. بعد استعراضه البحوث المقدمة في موضوع التلقيح الصناعي (أطفال الأنابيب) والاستماع لشرح الخبراء والأطباء، وبعد التداول الذي تبين منه للمجلس أن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذه الأيام هي سبعة، قرر ما يلي: أولًا: الطرق الخمس التالية محرمة شرعًا، وممنوعة منعًا باتًا لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية. الأولى: أن يجري التلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبييضة مأخوذة من امرأة ليست زوجته ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم زوجته. الثانية: أن يجري التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبييضة الزوجة ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة. الثالثة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها. الرابعة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبييضة امرأة أجنبية وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة. الخامسة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى. ثانيًا: الطريقان السادسة والسابعة لا حرج من اللجوء إليهما عند الحاجة مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة وهما: السادسة: أن تؤخذ نطفة من زوج وبييضة من زوجته ويتم التلقيح خارجيًا ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة. السابعة: أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحًا داخليًا. والله أعلم.
[ ١ / ٩٩ ]
والأصل البقاء على الحرمة، ولا تنقل إلا بيقين (١).
ويجب التعقيم التام لكل ما يستعمل من أدوات طبية.
ومن أهمل ذلك فترتب عليه انتقال مرض كالكبد، أو الإيدز أو غيرها؛ فإنه آثم ضامن لهذه الأضرار بشروطه.
ولا يجوز إسقاط الحمل ولو في بدايته وقبل تخلقه ونفخ الروح فيه؛ لأنه إهلاك للنسل وسماه الله فسادا (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
فإن كان خطرا على حياة الأم بقرار أطباء عدول من أهل التخصص فيمكن جوازه، سواء نفخ فيه الروح أم لا، لعموم قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء: ٢٣)، وليس من الإحسان قتل الأم لأجل حياة ولدها الجنين.
وإسقاطه بدون مبرر شرعي معتبر بفتوى من مؤهل إن كان قد نفخ فيه الروح وثبت حياته ففاعله مرتكبٌ لكبيرة، وتلزم الكفارة صيام شهرين متتابعين على الطبيب، وعلى الأم، وعلى الآذن، فإن لم ينفخ فيه الروح حرم وهو من الفساد (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
ومن زالت بكارتها بغير فاحشة، بل لوثبة، أو رياضة، أو حادث طريق؛ فللطبيب والجهة المعنية عمل تقرير عن الحادث يفيد ذلك حفظا لعرضها.
وجراحة التجميل إن كانت لعلاج أمر خَلْقِي على خلاف الفطرة العادية؛ فإنه يجوز؛ لأنه علاج للخلقة لا تغيير لها؛ ولأن العلاج جائز وهذا منه.
_________________
(١) - قولنا «والأصل البقاء على الحرمة ولا تنقل إلا بيقين»؛ لأن ثبوت الحياة الإنسانية هي الأصل في الحي، وحرمتها من ضرورات الشرع القطعية، فلا يُحكمُ بناقل عن هذه الأصول القطعية إلا إذا كان قطعيا مثلها، وإلا فلا يصح. ولعلماء العصر هنا كلام كثير وأبحاث مطولة وللأطباء في ذلك كذلك. وقد عقدت مؤتمرات طبية لهذه المسألة، فانظر أبحاث المؤتمر الطبي للموت الدماغي على سبيل المثال. وللدكتور البار بحث في أجهزة الإنعاش، وللسلامي بحث في الإنعاش، وللدكتور محمد علي البار بحث في موت الدماغ، ولوزارة الصحة في المملكة دراسة، وورقة عمل أردنية في المؤتمر العربي الأول للتخدير والإنعاش والمعالجة الحديثة، قدمها أخصائيون ومستشارون، وللعلامة بكر أبو زيد في كتابه «النوازل» بحث في ذلك. وبالجملة فهذه المسألة من المسائل المعاصرة التي أكثر العلماء والباحثون والخبراء الكلام حولها. ومراجعها كثيرة جدا.
[ ١ / ١٠٠ ]
فإن كان لا تشويه في الخلق حرم تغييره، وهو من عمل الشيطان (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: ١١٩)، ولهذا لعن المتنمصات والفالجات (١).
ولا يخلو الطبيب بامرأة أثناء المعاينة إلا بمحرمها (٢)، أو دخول نساء ثقات معها (٣).
وعند إجراء العمليات تزول الخلوة بحضور مساعدي الطبيب.
ولا تتناول أدوية على خلاف الطبيعة والجبلة كدواء رافع للنوم، أو عكسه إلا اضطرارا بإذن طبيب؛ لأن حفظ الفطرة مقصد شرعي (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: ٣٠).
فجعل حفظ الفطرة والخلقة والجبلة من الدين وتبديلها خلافه.
ولأن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين: ٤)، (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) (الانفطار: ٧). وهذا عام فيشمل كل إنسان كلا وجزءا، فتعديل شيء منه خروج عن أحسن تقويم وتعديل إلى خلافه، والخروج عنه لا يكون إلا إلى الضرر، ولا يجوز إلا لعلاج ضرر (٤).
_________________
(١) - قولنا «ولهذا لعن النامصات والفالجات»، اللعن وارد في صحيح البخاري برقم ٥٩٣٩، وهو في مسلم برقم ٥٦٩٥، من حديث عبدالله بن مسعود، قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. وهذا لفظ مسلم.
(٢) - قولنا «إلا بمحرمها» لعموم النصوص في النهي، ولا يرخص في الخلوة في حال إلا حال الضرورة. وقد مثلها العلماء كالأسيرة أو الهاربة من بلاد الكفار أو الهاربة من مكان مخوف فلقيها أجنبي عدل فأوصلها محلها. انظر فتح الباري (٩/ ٣٣١) وشرح ابن بطال (٣/ ٨٠)، وعمدة القاري (٣/ ١٧) وحاشية السندي على البخاري (٣/ ٩٩). وشرح القاضي عياض على مسلم في (٤/ ٢٣٤). وفي شرح القرطبي على مسلم في باب «النهي عن المبيت عند غير ذات المحرم» وقد نقل العلماء الإجماع على أنه إذا خلى الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما أنه حرام باتفاق العلماء. قاله النووي في شرحه على مسلم في (٥/ ٤). وراجع ما قاله ابن عبدالبر في الاستذكار (٥/ ١١٣) و(٩/ ٣٥٥).
(٣) - قولنا «أو دخول نساء ثقات معها»، قلت هذا تخريجا على مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، انظر «الفواكه الدواني» (٢/ ٤١٠) ومغني المحتاج (٣/ ١٣٣) ومطالب أولي النهى (٥/ ١٢).
(٤) - وقولنا «ولا يجوز إلا لعلاج ضرر»: مثاله التخدير العام أو الموضعي ممنوع، إلا لعلاج ضرر بإجراء العملية الجراحية.
[ ١ / ١٠١ ]
وتعاطي منشطات للجنس مباح إن كان لضعف؛ لأنه من التداوي، والتداوي مباح، فإن تعلق بضعفه تضرر زوجته تداوى وجوبا؛ لأن لها عليه حقا «ولزوجك عليك حقا» (١).
والحجامة مستحبة للنصوص فيها، وقد احتجم النبي ﷺ (٢)، وثبت عظيم نفعها بالنقل والتجربة والبحث الطبي الحديث.
وأثر الدم الباقي على الجروح إن تعذر إزالته عفي عنه؛ لأن المشقة تجلب التيسير، وصلاته صحيحة (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨).
ونجاسة الدم قول قديم في المذاهب، ولم أجد له دليلًا صحيحًا صريحًا خاليًا عن المعارضة.
والاستدلال بوصفه بالرجس في قوله تعالى (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام: ١٤٥)، لا يدل على النجاسة بل على الاستخباث؛ لأن ما ذكاه غير مسلم وصف بالرجسية في نفس الموضع، وليس بنجس، ووصف به الميسر والأزلام، ولم يقل أحد أنها نجاسة، ولأن الصحابة كانوا يصلون في جراحاتهم (٣)، ولعموم النص «إن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا» (٤)، وهذا عام في سائر أجزائه وما يخرج منه إلا البول
_________________
(١) - قولنا «لأن لها عليه حقا» دليله ما أخرجه البخاري برقم ١٩٦٨ من حديث سلمان «إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فاعط كل ذي حق حقه». وهو عند أحمد برقم ٦٨٣٢ من حديث عبدالله بن عمرو في قصة صيامه النهار وقيامه الليل ونهي النبي ﷺ له عن ذلك ودلالته على صيام ثلاثة أيام في الشهر وقال له فيه «ولزوجك عليك حظا ولعينك عليك حظا ولجسدك عليك حظا». وهو صحيح.
(٢) - قولنا «وقد احتجم النبي ﷺ» الحديث في ذلك أخرجه البخاري برقم ١٨٣٥، ومسلم ٢٩٤٢ كلاهما عن ابن عباس. وفي الباب أحاديث.
(٣) - أخرجه البخاري من قول الحسن «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم» في باب «من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر». قال الحافظ ابن حجر: وقد صح أن عمر صلى وجرحه ينبع دما. الفتح ط/ دار المعرفة (١/ ٢٨١).
(٤) - حديث «المؤمن لا ينجس ..» متفق عليه (البخاري برقم ٢٨٣، ومسلم ٨٥٠) ولفظه عند البخاري «عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب فانخنست منه فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال «سبحان الله إن المؤمن =
[ ١ / ١٠٢ ]
والغائط للدليل الشرعي الضروري.
ولأنه لو كان بمنزلة البول والغائط لما ترك بيانه المبين، لعموم الابتلاء به؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والرقية مشروعة، وثبتت بها النصوص، ومنها الفاتحة لحديث ابن عباس في اللديغ في الصحيحين (١)، والمعوذات (٢)، والمأثورات والأدعية (٣).
وينفث الراقي، وهو نفث الهواء بلا ريق، وكل ما ينفع من الرقيا جائز ما لم تكن شركا لعموم «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» (٤)، والرقيا جائزة ما لم تكن شركا (٥).
_________________
(١) = لا ينجس». أما زيادة «ولا ميتا» فأخرجه البخاري من قول ابن عباس في الجنائز برقم ١٢٥٣. وهو مخرج عن ابن أبي شيبة بسند على شرط الشيخين برقم ١١٢٤٦. وأخرجه الدارقطني مرفوعا برقم ١٨٣٣. ومن طريقه الضياء في المختارة برقم ٣٩٨٤. وأخرجه من هذه الطريق البيهقي أعني من طريق ابن عيينه، وقال والمعروف موقوف وهذا هو السبب في عدم إيراد البخاري له في الصحيح مرفوعا إلى النبي ﷺ نظرا للاختلاف في رفعه ووقفه، فرجح البخاري بحسب صنيعه الوقف ..
(٢) - تقدم تخريجه.
(٣) - قولنا «والمعوذات» النصوص فيها كثيرة، فمنها ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه برقم ١٩٢٧ من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) (الفلق: ١) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس) (الناس: ١).
(٤) - قولنا «والمأثورات والأدعية» وهي كثيرة صحيحة بحمد الله يرجع إليها في مظانها من كتب السنة وقد ألف فيها مؤلفات مستقلة، كالأذكار للنووي، والشوكاني، والمأثورات للبنا، وحصن المسلم، وغيرها.
(٥) - هذا الحديث في صحيح مسلم برقم ٥٨٥٧ ولفظه .. قال أبو الزبير وسمعت جابر بن عبدالله يقول: لدغت رجلا منا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ، فقال رجل: يا رسول الله أرقي. قال «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».
(٦) - قولنا «والرقيا جائزة ما لم تكن شركا» ورد ما يدل على ذلك ما أخرجه مسلم برقم ٥٨٦٢، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال «اعرضوا على رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك». وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ١٩٥) ملخصا كلام العلماء كالمازري في شرحه على مسلم والقاضي عياض والنووي ما نصه (أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى واختلفوا في كونها شرطا والراجح أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة. ففي صحيح مسلم =
[ ١ / ١٠٣ ]
وإذا كان في الرقية ما لا يفهم من القول فهو شعوذة وهي محرمة.
ويجوز أن يقرأ على ماء ليشربه المريض، أو يغتسل به، وكتب بعض السلف في إناء آيات من القرآن ثم صب عليها ماء وأشربها المريض (١)، عملا بعموم الإذن في النص.
ولوصفه سبحانه القرآن أنه شفاء، فيعم المعنوي والمحسوس.
والرقيا من العين والسحر أمر مشروع؛ لورود النصوص بذلك (٢).
وعمل السحر وتعليمه كفر (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٠٢).
وطلبه وشراؤه محبط للعمل موجب للنار (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ) (البقرة: ١٠٢).
ولا يضر إلا بإذن الله (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة: ١٠٢).
ومن أدام الحفظ للصلوات، وتحصن بالمأثور صباحا ومساءً لا يضره سحر.
_________________
(١) = من حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك. وله من حديث جابر نهى رسول الله ﷺ عن الرقي، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب. قال فعرضوا عليه، فقال: ما أرى بأسا من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه. وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك يمنع وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطا).
(٢) - قولنا «وأشربها المريض» أجاز ذلك سعيد بن المسيب وجماعات من العلماء، انظر «المفهم» للقرطبي، وقد أطال الحافظ ابن حجر الكلام على المسألة وما يتعلق بها في الفتح (١٠/ ٢٣٣).
(٣) - راجع -على سبيل المثال- كتاب الطب والمرضى من صحيح الإمام البخاري. ومسلم في باب «الطب والمرضى والرقى».
[ ١ / ١٠٤ ]
والسحر: تخييل لا حقيقة، وقد خيل لموسى (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طه: ٦٦)، (قَالَ أَلْقُوْا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف: ١١٦).
ولما قرأ النبي ﷺ المعوذات بطل الذي رآه من السحر كما رأى موسى سحر السحرة وأبطله لما ألقى عصاه.
فلم يسحر موسى ولا محمد ﷺ بل رأيا السحر، وأوجس موسى خيفة، ولم يوجس محمد ﷺ، وحديث البخاري في سحره ﷺ يوافق الآية في أنه رؤية للسحر لا أنه أثر على عقله.
وحد الساحر ضربة بالسيف بالنص (١).
_________________
(١) - قولنا «حد الساحر ضربة بالسيف بالنص» أخرجه الترمذي عن جندب ﵁ عن النبي ﷺ، وضعفه بإسماعيل بن مسلم المكي، وأخرجه الدارقطني من نفس الطريق برقم ٣٢٠٤، والبيهقي برقم ١٦٩٤٢ وقال: إسماعيل بن مسلم ضعيف. وأخرجه الحاكم برقم ٨٠٧٣ ط/ دار الكتب العلمية وصححه، وقال الذهبي: صحيح غريب. قلت: وقد وجدت متابعة في معرفة الصحابة لأبي نعيم برقم ١٤٩٢ (٥/ ٤٧) قال: حدثناه أبو عمرو بن حمدان: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا مخلد بن مالك، نيسابوري، ثقة، ثنا سعيد بن محمد الوراق، ثنا خالد بن عبيد الباهلي، مولى الباهلة، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: جاء جندب وقوم يلعبون ويأخذون بأعين الناس يسحرون، قال: فضرب رجلا منهم ضربة بالسيف فقتله، فرفع إلى السلطان وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «حد الساحر ضربة بالسيف» رواه أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب. قلت: هذه متابعة لا بأس بها، سعيد بن محمد وخالد صالحان في الشواهد، وعليه فالحديث حسن لغيره. قلت: ولم يتنبه الألباني عليه رحمة الله تعالى لهذه المتابعة في السلسلة الضعيفة وإلا لحسن الحديث كما هو معلوم. وأما إعلاله في السلسلة الحديث بعنعنة الحسن البصري فليس بشيء؛ لأنه من المرتبة الثانية التي ذكرها الحافظ ولا تضر عنعنتهم، ولو سلمنا أنه مرسل لما كان علة قوية قادحة تبعا للأئمة الكبار الذين قبلوها كما قال ابن القطان أن مراسيله جيدة. وقال أبو زرعة أنه وجد لها أصلا ثابتا سوى أربعة أحاديث. وقال علي بن المديني: مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها. قال ابن رجب في شرح علل الترمذي (١/ ٥٤٤) ط/ الرشد: هذا يدل على أن مراسيل الحسن أو أكثرها عن الصحابة. قلت: وهؤلاء الأئمة الكبار كفاية في اعتماد مراسيل الحسن، وضعفها قوم آخرون والحاصل أن الحديث حسن بهاتين الطريقين .. ويدل على ثبوته أنه عمل به الخلفاء الثلاثة الراشدون عمر وعثمان وعلي (مسند زيد بن علي ٥٠٩) وابن عمر وجندب وجماعة من الصحابة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق كما نقله عنهم ابن المنذر في الإقناع صـ ١٤٧ - ط/ دار الكتب العلمية -بيروت. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ١٠٥ ]
ومن به سلس بول أو بها استحاضة رحم لزمهما التوضؤ لكل صلاة؛ لأمر الشرع بذلك «توضئي لكل صلاة» (١).
ونزول شيء بعد الوضوء أو خلال الصلاة لا يضر للدليل «إنها كانت تستحاض وتضع الطست تحتها وهي تصلي» (٢)، وهذه إحدى زوجاته ﷺ أمرها بذلك.
ولأن المشقة تجلب التيسير (٣)، وإذا ضاق الأمر اتسع (٤)، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥).
و(لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦)، فهذه النصوص من المعلومات ضرورة، وهي أصل على ما ذكرنا.
ويحرم التداوي بالمحرم؛ للنص «إن الله لم يجعل دواء أمتي فيما حرم عليها» (٥).
ولأنه لو شرع التداوي بالمحرمات لدخل الخلل في التكليف بالحرمة؛ لعدم إمكان ضبط ذلك فيعود على الأصول بالإبطال، وهذا باطل فمُنِع.
_________________
(١) - أخرجه الإمام البخاري برقم ٢٢٨ من حديث فاطمة بنت أبي حبيش.
(٢) - حديث «أنها كانت تستحاض وتضع الطست ..» أخرجه البخاري برقم ٣١٠ عن عائشة قالت «اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي». وفي الرواية الأخرى وهي مستحاضة ترى الدم.
(٣) - قولنا «ولأن المشقة تجلب التيسير» هذه إحدى القواعد المجمع عليها، والأدلة عليها من النصوص عديدة كقوله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨). انظر الأشباه والنظائر للسيوطي صـ ٣٥. وقواعد ابن نجيم الحنفي صـ ٧٥.
(٤) - قولنا «وإذا ضاق الأمر اتسع» هذه من عبارات الشافعي الرشيقة وهي في معنى قاعدة «المشقة تجلب التيسير». انظر القواعد للسبكي ط/ دار الكتب العلمية (١/ ٥٩).
(٥) - قولنا للنص «إن الله لم يجعل ..» قلت: فيه ما أخرجه أحمد برقم ١٥٧ في جزء الأشربة ط/ مكتبة التراث -القاهرة. عن حسان بن مخارق، أن رسول الله ﷺ دخل على أم سلمة وقد نبذت نبيذا في جر قال: فسمع النبيذ يهدر فقال لها: «ما هذا؟» قالت: فلانة اشتكت بطنها فنعت لها هذا، فدفعه برجله فكسره ثم قال «إن الله عزوجل لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء». قلت: سند هذا الحديث حسن من هذه الطريق. وأخرجه من نفس الطريق إسحاق في مسنده برقم ١٩١٢، ط/ مكتبة الإيمان -المدينة المنورة، وقد صح موقوفا عن ابن مسعود، ذكره البخاري معلقا في باب حديث رقم ٥٦١٤.
[ ١ / ١٠٦ ]
ولا يشترط المريض الشفاء مقابل الأجر؛ لأن الطبيب باع منفعة فله أجرة ولو لم ينتفع بها المريض، كمن استأجر دارا ولم يسكنها، أو صرف له دواء لم يستعمله، وكاستئجار الأرض للإنبات ولم تنبت لعارض كقحط.
ولأن الشروط على المجهول الممكن حصوله عادة أو عدم حصوله كالشفاء للمريض لا يغير من الحكم الشرعي، وهو صحة أجرة الطبيب؛ لأن تخلف الشفاء على خلاف الأصل.
والحكم الشرعي متعلق بالعادي الأكثر لا على القليل المخالف للعادة؛ لأن العمل بالأكثر والأغلب لا بالأقل أو النادر أصل كبير في الشرع.
والقسم الطبي جائز ويجب الوفاء به (١)؛ لعموم (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) (البقرة: ١٧٧)، (وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) (النحل: ٩١).
ويجب على الطبيب الصبر على مريضه؛ لأنه من مقتضى العقد معه والوفاء بالعقود ومقتضياتها واجب (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
وعلى المريض وجوبا الصبر على قضاء الله والتضرع إليه (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة: ١٥٥ - ١٥٧).
والوصية واجبة للنص (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٨٠).
ويحرم تبديلها أو تغييرها (فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١٨١).
ولا وصية إلا لمن كان عنده خير وهو المال الكثير للنص الشرطي (إِن تَرَكَ خَيْرًا) (البقرة: ١٨٠) والخير في لغة العرب هنا هو المال الوافر.
_________________
(١) - قولنا «والقسم الطبي جائز ..»، قلت: شرطه إن لم يشتمل على القسم الممنوع شرعا، وهو بغير الله أو أسمائه أو صفاته؛ فإن اشتمل حرم، ومن اضطُرَّ من الخريجين إلى القسم به كطالب يدرس في بلد أجنبي يلزمونه عند التخرج بأداء القسم فهو ضرورة وتقدر بقدرها.
[ ١ / ١٠٧ ]
ومقدارها الأعلى الثلث لصراحة النهي عن ما فوقه «أتصدق بالنصف؟ قال: لا. قال: فبالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير» (١).
والوصية للوالدين جائزة للنص القطعي في الآية، وللأقربين، ويشترط في الأقربين كونهم غير ورثة لحديث «لا وصية لوارث» (٢) وإنما استثنينا الوالدين تقديما للخاص على العام والقطعي على ما سواه.
_________________
(١) - قولنا «لصراحة النهي عن ما فوقه» دليله ما أخرجه البخاري برقم ٢٧٤٣ عن ابن عباس ﵄ قال: لو غض الناس إلى الربع لأن رسول الله ﷺ قال: الثلث والثلث كثير، أو كبير. وهو متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص في البخاري برقم ٢٧٤٤ ومسلم برقم ٤٢٩٦، ولفظه: عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال «لا». قال: قلت أفأتصدق بشطره؟ قال «لا الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك». قال: قلت يا رسول الله أخلف بعد أصحابي. قال «إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغى به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك تخلف حتى ينفع بك أقوام ويضر بك آخرون اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد ابن خولة». قال رثى له رسول الله ﷺ من أن توفى بمكة.
(٢) - حديث «لا وصية لوارث»، قلت: هو حديث حسن صحيح رواه عدة من الصحابة، فقد أخرجه الإمام أبو داود بسند حسن برقم ٢٨٧٢ عن شرحبيل بن مسلم سمعت أبا أمامة سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث». وإنما حسنا الحديث لحال إسماعيل بن عياش الراوي له عن شرحبيل بن مسلم فإنه حسن الحديث في الشاميين، وشرحبيل شاميّ. وأخرجه الترمذي من نفس الطريق وقال حديث حسن صحيح. وأخرجه الترمذي برقم ٢١٢١ من حديث عمر بن خارجه: أن النبي ﷺ خطب على ناقته وأنا تحت جرانها وهي تقصع بجرتها وأن لعابها يسيل بين كتفي فسمعته يقول: إن الله أعطى كل ذي حق حقه ولا وصية لوراث والولد للفراش وللعاهر الحجر ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى مواليه رغبة عنهم فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفا ولا عدلا. قال: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: لا أبالي بحديث شهر بن حوشب. قال وسألت محمد بن إسماعيل عن شهر بن حوشب فوثقه وقال إنما يتكلم فيه ابن عون ثم روى ابن عون عن غير هلال بن أبي زينب عن شهر بن حوشب. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. قلت: شهر ابن حوشب وثقه كذلك ابن معين ويعقوب والعجلي وأحمد في رواية، وفي رواية لا بأس به. وكذا قال أبو زرعة الرازي، وتشدد ابن حزم فقال: ساقط. وجملة كلام أهل العلم فيه جمعها الحافظ فقال: صدوق كثير الإرسال والأوهام. انتهى. وقول الترمذي حسن صحيح إنما هو جمع بين رتبتي الحسن والأوثقية، أو باعتبار شاهد الحديث السابق والله أعلم. وله شاهد من حديث أنس ﵁ عند ابن ماجة برقم ٢٧١٤ وسنده صحيح.
[ ١ / ١٠٨ ]
وجمعا بين النصوص؛ لأنه أولى من دعوى النسخ مع إمكان نوع من الجمع.
ويتوضأ المريض للصلاة ويغتسل للجنابة فإن لم يستطع تيمم (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء: ٤٣).
فإن لم يستطع التيمم صلى على حاله للعموم القطعي (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (الأنعام: ١٥٢)، وهو أصل قطعي معلوم ضرورة من دين الله.
ويصلي قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب للنص في ذلك (١).
ويستقبل القبلة، فإن لم يستطع سقط التكليف القطعي الخاص (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة: ١٤٤) وقطع بالآخر (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١١٥) لعموم الأصل القطعي (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (الأنعام: ١٥٢).
فإذا عجز عن أداء الصلاة لشدة مرض قضاها حال استطاعته لعموم «دين الله أحق أن يقضى» (٢).
ولقضائه ﷺ وصحابته الظهر والعصر والمغرب في وقت العشاء لما اشتد عليهم الحصار في الخندق (٣).
فدل على عدم سقوطها عند العجز عنها أداءً لمانع.
_________________
(١) - قولنا «فإن لم يستطع فعلى جنب ..» دليله حديث البخاري برقم ١١١٧ عن عمران بن حصين ﵁ قال كانت بي بواسير فسألت النبي عن الصلاة. فقال «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب».
(٢) - حديث «فدين الله أحق أن يقضى» متفق عليه، أخرجه البخاري برقم ١٩٥٣، ومسلم برقم ٢٧٤٩، عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى.
(٣) - قولنا «لما اشتد عليه الحصار في الخندق» الحديث في الصحيحين من حديث علي ﵁ (البخاري برقم ٤١١١، ومسلم برقم ١٤٥٧) واللفظ له قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا». ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء.
[ ١ / ١٠٩ ]
ومن أغمي عليه صلاها إذا أفاق لحديث «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها» (١).
ولا فارق معتبرٌ بينهما؛ إذ هما يجتمعان في المفردات وبمعرفتها -أي المفردات- يُعرَّف النوم والإغماء.
فالنوم: ذهاب التعقل وخمول الحس والحركة طبيعة مع بقاء الحياة.
والإغماء: ذهاب التعقل وخمول الحس والحركة مع بقاء الحياة لطارئ.
وقلنا «لطارئ» ليشمل سائر الطوارئ كالمرض، أو الإعياء، أو حصول صدمة نفسية لخبر سيء مع قلة صبر.
وقلنا «ذهاب التعقل» ولم نقل خموله؛ لأن الخمول قد يحصل في خفيف نعاس أو الشعور بإعياء أو دوار ودوخة.
وذهابه إنما يكون بالنوم المستغرق، أو الإغماء.
وقلنا «خمول الحس والحركة» ولم نقل ذهاب؛ لأن حركة حس النائم والمغمى عليه باق في أدنى درجاته ولا تذهب إلا لموت.
والنوم كالموت إلا ببقاء الحياة (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأنعام: ٦٠)، فسمى النوم وفاة.
وسماه كذلك موتا (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر: ٤٢)، أي يتوفاها حين نومها فيقبضها قبضا نهائيا لمن حضر أجله وقضى عليه بالموت، ويرسل الأخرى التي لم يكتب عليها الموت في النوم إلى أجل.
فالفرق بين النوم والموت هو القبض التام، ولا فرق بينه وبين الإغماء سوى أن الإغماء طارئ.
_________________
(١) - حديث «من نسي صلاة ..» متفق عليه أخرجه البخاري برقم ٥٩٧ ومسلم برقم ١٥٩٨ واللفظ له عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك». قال قتادة (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (طه: ١٤).
[ ١ / ١١٠ ]
والطارئ نادر خارج عن العادة فلا ينفرد بحكم، فحكمه حكم النوم.
وطول الوقت ليس بفارق؛ لأن الإغماء الطويل الخارج عن العادة كشهر كالنوم الطويل الخارج عن العادة كشهر لمرض معروف (١).
وكلاهما نادر جدا؛ لأن الإغماء -عادة- دقائق معدودة، ويندر ساعة فما فوقها، فيبقى حكم النوم على أصله، ولو طال لطارئ، وحكم الإغماء كالنوم ولو طال لطارئ.
والنوم المستغرق على العادة ناقض للوضوء «العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ» (٢).
وهذه العلة المنصوصة جارية في الإغماء بلا فرق.
وقلنا «النوم المستغرق على العادة»؛ لثبوت نعاس الصحابة في المسجد انتظارا للإقامة وقيامهم بعده إلى الصلاة بلا وضوء (٣)، فدل على أنه غير مستغرق.
وقلنا «على العادة»؛ ليخرج نوم الجالس ولو مستغرقا؛ لأن العلة في الحديث «العين وكاء
_________________
(١) - هو مرض تنقله ذبابة تسمى «تسي تسي» تعيش في بعض الأماكن من أفريقيا ويدخل المصاب في نوم.
(٢) - حديث «العين وكاء السه ..» أخرجه أبو داود برقم ٢٠٣ من حديث علي ﵁، قال رسول الله ﷺ «وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ». وسند أبي داود حسن في الشواهد والمتابعات وقد أعل ببقية بن الوليد عن الوضين بن عطاء. قلت: أما الوضين فأبو داود نفسه إنما أخرج له لأنه قال فيه صالح الحديث. وقال أحمد ثقة ومرة ليس به بأس. وقال الذهبي ثقة وبعضهم ضعفه. وقال دحيم ثقة. وقال يحيى بن معين ثقة ومرة لا بأس به. وذكره ابن شاهين وابن حبان في الثقات. وقال الجرجاني ما أرى بأحاديثه بأسا. وقال أبو حاتم الرازي تعرف وتنكر. قلت: فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن إلا إن كان له علة أخرى. وأما بقية فالخلاصة ما قال الحافظ فيه أنه صدوق كثير التدليس على الضعفاء. قلت: وبقية رجال الإسناد ثقات، وقد أعل قوم الحديث بالانقطاع بين عبدالرحمن بن عائض عن علي قال الرازيان لم يدركه. إلا أن ابن حبان رحمه الله تعالى نقل عن البعض أنه لقيه والأكثر الأول. قلت: هذه العلة لا تؤثر خاصة وأن عبدالرحمن بن عائض مذكور في الصحابة. كما نقل عن البخاري نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة وتعقبه. وللحديث شاهد من حديث معاوية وهو قريب في الإسناد منه فيشهد أحدهما للآخر. وقد أخرجه الدارقطني في السنن برقم ٥٩٧ وفيه ابن أبي مريم ضعفوه وأعل بغير ذلك إلا أنه صالح كشاهد. فالراجح عندي أن الحديث حسن. وقد اطلعت على تحسين ابن الصلاح والنووي له كما في فتح الغفار (٣/ ٨٥) ط/ دار عالم الفوائد، ثم الألباني في صحيح الجامع برقم ٧٥٩٨. وأكثر علماء الحديث على تضعيفه.
(٣) - قولنا «بلا وضوء» أخرجه مسلم برقم ٨٦١ عن أنس، كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون.
[ ١ / ١١١ ]
السه» ظاهرة في المضطجع المستغرق لا الجالس، والاضطجاع عادة النوم، وتعليقها بمجرد النوم خطأ؛ لأن النص معلل بعلة منصوصة يبعد وقوعها من جالس متمكن.
ويجب إسعاف المغمى عليه، وعمل ما يزيل الضرر عنه؛ لأن دفع الضرر عن النفس واجب.
ويجب ستر عورته، وحفظ ماله وخصوصياته؛ لأن «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (١)، وستر عورته من حفظ عرضه.
وإذا أغمي عليه وهو صائم نهار رمضان، فإن أفاق صح صومه؛ لأنه كالنائم، وإن لم يفق حتى غربت الشمس فكذلك؛ لأن غايته كالنائم، والنوم والصوم يجتمعان.
فإن طال الإغماء أو النوم حتى خرج عن العادة كأيام أو شهر فهو مرض عادة، وكذا في لوائح الطب، وله حكم المريض شرعا: يقضي الصلاة والصوم للنص في الصوم (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: ١٨٤). ولعموم «دين الله أحق أن يقضى» (٢) في الصلاة.
وقوله تعالى (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (الأنعام: ١٥٢)، يدل على ترك التكليف أداءً وقضاءً حال انعدام الوسع كما هنا، فإذا زال المانع كالمرض والإغماء ومستديم النوم عاد الوسع. فيقضي الصوم بخصوص النص والصلاة بعموم النص، وكذا بخصوص النص في قضائه ﷺ والصحابة ما فاتهم يوم الخندق.
ولو صح الاستدلال بها على الإسقاط لسقطت في الخندق؛ لانعدام وسعهم فعلها أداء، ولسقطت على النائم؛ لانعدام استطاعته أداءً، فلما قضى النبي ﷺ وأمر النائم والناسي بالقضاء علمنا أن الوسع لازم قضاء ولو تعذر أداء.
ولم تسقط الصلاة في دين الله إلا على حائض ونفساء أداء وقضاء، ومفروضة فيما سوى
_________________
(١) - «كل المسلم على المسلم ..» أخرجه مسلم برقم ٦٧٠٦ من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه».
(٢) - تقدم تخريجه.
[ ١ / ١١٢ ]
ذلك في حرب وسلم ومرض وصحة وسفر وحضر ونسيان ونوم وانعدام ماء أو تراب أو كليهما، وانعدام ستر للعورة، وتعذر معرفة القبلة، أو تعذر تطهير ثوب ومكان وبدن من نجس، أو قذر، أو رفع جنابة.
أو عند تعذر معرفة الأوقات، ويقدر لذلك قدره في أي زمان ومكان، ولو تخلف الزمن واضطرب فصار اليوم كسنة، أو السنة كيوم كما في حديث الدجال، فيقدر لذلك قدره بالنص (١).
فعموم التكليف وبقاؤه أداء أو قضاء قطعي، ومن ادعى استثناء أحد غير منصوص عليه قطعا فقد تعمد رفع التكليف القطعي بموهومات، ولا تسقط العبادة في دين الله أداء وقضاء إلا الصلاة على حائض ونفساء، وعن المجنون يسقط كل تعبد؛ لانحراف تعقله الحقائق؛ لخلل عقله وهو مناط التكليف.
أو صوم على مريض دام مرضه، وانعدمت استطاعته إلى الوفاة فلا عبادة عليه لا أداء ولا قضاء.
فإن صح قضى الصوم بالنص، وقضى الصلاة على الأصل (٢)، وعموم النص وخصوصه (٣)، ولو كثرت قضى ما بوسعه؛ لأن التكليف على الوسع بالنص (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦).
وتعريف الجنون: هو اضطراب التعقل واختلال العقل للداء، فهو مرض.
وقلنا «اضطراب التعقل» لا ذهابه ولا غيابه كما قلنا في النوم والإغماء؛ لأنه يعقل الأمور
_________________
(١) - قولنا «فيقدر لذلك قدره بالنص» أخرجه مسلم برقم ٧٥٦٠ من حديث نواس بن سمعان في حديث الدجال الطويل والشاهد منه قوله: قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال «أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم». قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال «لا اقدروا له قدره».
(٢) - قولنا «على الأصل»؛ لأن الأصل بقاء التكليف ورفعه محتاج للدليل.
(٣) - قولنا «وعموم النص وخصوصه»، أما عمومه «فدين الله أحق أن يقضى»، وأما خصوصه فهو قضاء رسول الله ﷺ في الخندق، وقضاؤه عندما نام مع أصحابه في الوادي، وحديث «فليصلها إذا ذكرها» وكلها صحيحة خرجناها في كتابنا هذا، ولله الحمد.
[ ١ / ١١٣ ]
بجميع الحواس لكن على غير الحقيقة العادية، فدل على خلل في العقل.
وقولنا «هو مرض»؛ لأنه على خلاف أصل الخلقة، وما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً.
أما السُّكْر: فهو اضطراب التعقل لطارئ بسبب محرم كخمر ومخدر، ولذا قال تعالى (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج: ٢)، مع وجود عقولهم لكن اضطرب تعقلهم أول الأمر لشدة هول الساعة، فهم سكارى في التصرف لكن حقيقة ليسوا كذلك.
فالسكران كالمجنون، ويفارقه بأنه مُسَبَّبٌ مؤقت مع سلامة عقله.
والمجنون غير مكلف لعلة اضطراب عقله وتعقله.
والسكران مكلف بالعبادات؛ لبقاء عقله، لا بالإنشاءات كالنائم والمغمى عليه.
فالنائم لو طلق، أو باع، أو تبرع، أو نطق بكفر فكله لغو وهذيان، ومثله السكران.
وأما المُتْلَفَات فهي مضمونة ولو على مجنون.
فالمجنون قتله خطأ تحمله معه العاقلة، ولا صوم عليه للكفارة؛ لارتفاع تكليفه، ولا يمكن إسقاط تضمين الدية لعلة الجنون؛ لأنه حينئذ إهدار لدمٍ، وهو لا يهدر بحالٍ، وإنما حملته معه العاقلة؛ لأنه في حكم الخطأ؛ لعدم إمكان إجراء حكم العمدية عليه؛ لأن الصارف في المجنون عن الحكم عليه بالعمدية أقوى وأولى من الصارف في عاقل مكلف مدعٍ للخطأ على خلاف الأصل، إذ الأصل العمدية، والناقل عنه البينة المعتبرة.
والسكران: الأصل بقاء عقله فإتلافاته عمد في الأموال والأنفس؛ لأن سكره دعوى؛ فإن قطع به بشهادة عدول أثبات فيحد، ويضمن الدية، ويجوز تغليظها عقوبة، ودفعا للفتنة.
أما انحراف التعقل عن الحقائق فهو الضلال، وهو غير الأقسام السابقة وصارت به خمسة أقسام: النائم، والمغمى، والمجنون، والسكران، والضال.
ويمكن هنا صياغة ضابط لجميع الحالات، وهو: اختلال العقل والتعقل يرفع التكليف قضاء وأداء وهو الجنون، واختلال التعقل مع سلامة العقل لا يرفع التكليف كالنائم والناسي والمغمى والسكران، فلزمهم القضاء.
[ ١ / ١١٤ ]
والتشريح في الطب لجثة مسلم محرم شرعا؛ لأن حرمته ميتا كحرمته وهو حي «كسر عظم ميت ككسره وهو حي» (١).
ولأن تكريم الإنسان مقصد شرعي (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: ٧٠)، وهذا عامٌّ في الحياة والممات، والتشريح ليس من التكريم.
وعندي امتناع في تشريح جثة غير مسلم ولو حربيا؛ لأنه كالمثلة، وهي محرمة لذاتها، فهي علة ذاتية مستقلة حتى لا يقال إن العلة خوف المجازات بالمثل في الحرب.
ولذا امتنع رسول الله ﷺ عن المثلة لجثة حربي كافر في الحرب مع تمثيلهم بمسلمين مع أن العموم ظاهر في (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤)، (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠).
فتركه ذلك دليل على قصد المنع منها، ولمخالفٍ العمل بفتوى غير هذه.
ويجوز تشريح حيوان من الأنعام لجواز ذبحه وتقطيعه وهو أبلغ من التشريح.
ويجوز كذلك من غير الأنعام تشريح حيوان؛ لأن التشريح من وسائل المداواة؛ لدفع الضرر البالغ عن البشر، وكل ما في الأرض خلق لنفعه (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة: ٢٩)، ومن أعظم منافعه المداواة، ومن أهم وسائلها التشريح للحيوان فجاز؛ لأن للوسائل أحكام ما تُوُسِّلَ بها إليه، ولقوله تعالى في المسائل التي لم ينص على حرمتها (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، فدل على جواز الانتفاع بها تشريحا للتعلم وللتجارب.
ولجواز صيدها للانتفاع بجلدها أو عظمها في لبس وأثاث وزينة، فمن باب أولى تشريحها للطب.
وعمل تجارب على الفئران والخنازير وغيرها جائز من هذا الباب؛ لعموم خلق ما في الأرض لمنافع الإنسان (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة: ٢٩).
_________________
(١) - أخرجه أبو داود برقم ٣٢٠٩ بلفظ (عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال «كسر عظم الميت ككسره حيا»). قلت: سند أبي داود حسن. وفيه سعد بن سعيد، قال الذهبي في الكاشف ملخصا كلام العلماء فيه: صدوق. قلت: وبقية رجاله ثقات. ثم اطلعت على تحسين ابن القطان له، نقله عنه الألباني في الجنائز (١/ ٢٣٣).
[ ١ / ١١٥ ]
وإرجاع يد سارق قطعت في سرقة بحدٍ لا شبهة فيه لا يجوز؛ لأنه خلاف مقصد الشرع من النكال به (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة: ٣٨).
ويحتمل الجواز؛ لأنه مداواة وهي جائزة في قصاص الجروح بعد الاقتصاص بالمثل، ولأن النكال وقع بمجرد القطع، فالمداواة لم تعارض مقصدا ووافقت مثلا مشروعا في مداواة القصاص في الجرح.
والاستنساخ محرمٌ لما فيه من تغيير الخِلقة والعبث بها ولما يؤدي إليه من مفاسد كارثية على البشرية، وما أدى إلى ذلك فهو محرمٌ؛ لأنه من الفساد في الأرض.
ويستثنى من ذلك حالة الاستنساخ العلاجي الذي لا ضرر فيه على أصل الخِلقة البشرية.
والأصل أن حكم الاستنساخ هذا -أعني التحريم- جارٍ في الاستنساخ البشري أو الحيواني؛ لأن من مقصودات الشرع الحنيف حفظ خلق الله على أصل خلقتها بالنص.
والهندسة الوراثية لمعرفة الداء والدواء علم نافع من الطب، فجاز ويحرم استعماله في تغيير الخلقة عن طبيعتها؛ لعموم (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: ٣٠).
فحرم تغيير الخلق وأكده بأن هذا الحكم هو الدين القيم.
وجعل تغيير الخلق من فعل الشيطان (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: ١١٩).
والنهي عن النامصة والفالجة والواصلة من هذا الباب (١).
ومعرفة النسب لمتنازع بين أطراف يدّعونه جائز بالقيافة (٢).
_________________
(١) - النامصة: هي من تزيل شعر حاجبيها لتحديده، والفالجة: من تحدد أسنانها تجملا، والواصلة: من تصل شعر رأسها بغيره تزويرًا، وقد تقدم تخريج الحديث.
(٢) - قولنا جائز بالقيافة» فيه حديث متفق عليه (البخاري برقم ٦٧٧٠، ومسلم برقم ٣٦٩٠) عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال «ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض». وقد بوب البخاري باب «القائف». قال العلماء: =
[ ١ / ١١٦ ]
وأولى منها بفحص الخصائص الوراثية المعلومة لدى خبراء علم الوراثة.
أما إن كان عن زنى فلا حكم في الإلحاق بالنسب، بل يلحق بأمه، لتوقف الشرع عن بناء الحكم على ذلك، ولو مع معرفة صفاته (١) في هذا الباب، ولذلك لا يثبت الزنى بفحص المني ولا بالحمض الوراثي ولا بالقيافة.
وضرب الإبر الوريدية والعضلية لا يؤثر في الصيام؛ لأنه ليس بغذاء ولا في معناه، فإن كان العلاج عبر الوريد للتغذية أفطر، وبخاخ الربو لمحتاج إلى استعماله في نهار الصيام لا يضر، وكذا الحقنة الشرجية، وقطرة العين والأذن.
ومن ادعى أنها مفطرات لم يأت بحجة بينة معتبرة من الكتاب والسنة (٢).
_________________
(١) = هذا الحديث أصل في إثبات النسب بالقافة. وهو مذهب الجمهور من الصحابة والأئمة إلا الحنفية، وعللوا ذلك بأنه خرص وتخمين ورُدَّ بإقرار النبي ﷺ لمجزز، وما كان ﵊ يقر باطلا، فلا يقر إلا الشرع. راجع شرح ابن بطال (٨/ ٣٨٦).
(٢) - قولنا «ولو مع معرفة صفاته» لورود النص في ذلك عند البخاري برقم ٥٣١٠ من حديث ابن عباس أنه ذكر التلاعن عند النبي ﷺ فقال عاصم بن عدي في ذلك قولا ثم انصرف فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع امرأته رجلا. فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا لقولي. فذهب به إلى النبي ﷺ فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله خدلا آدم كثير اللحم. فقال النبي ﷺ: اللهم بيّن. فجاءت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده، فلاعن النبي ﷺ بينهما. قال رجل لابن عباس في المجلس: هي التي قال النبي ﷺ «لو رجمت أحدا بغير بينة رجمت هذه» فقال: لا. تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء. وفي رواية أبي داود (فقال رسول الله ﷺ «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»).
(٣) - قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ١ - ١٧٤ - (١/ ١٥٣) قرار رقم: ٩٣ (١/ ١٠) بشأن المفطرات في مجال التداوي مجلة المجمع (ع ١٠، ج ص) إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة في المملكة العربية السعودية خلال الفترة من ٢٣ - ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ الموافق ٢٨ - حزيران (يونيو) -٣ تموز (يوليو) ١٩٩٧ م، بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في المجمع بخصوص موضوع المفطرات في مجال التداوي، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع وجهات أخرى، في =
[ ١ / ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الدار البيضاء بالمملكة المغربية في الفترة من ٩ - ١٢ صفر ١٤١٨ هـ الموافق ١٤ - ١٧ حزيران (يونيو) ١٩٩٧ م، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء، والنظر في الأدلة من الكتاب والسنة، وفي كلام الفقهاء، قرر ما يلي: أولا: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:
(٢) قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
(٣) الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
(٤) ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس)، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي.
(٥) إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم.
(٦) ما يدخل الإحليل، أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى، من قثطرة (أنبوب دقيق) أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة.
(٧) حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
(٨) المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
(٩) الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية.
(١٠) غاز الأكسجين.
(١١) غازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية.
(١٢) ما يدخل الجسم امتصاصا من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.
(١٣) إدخال قثطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء.
(١٤) إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها.
(١٥) أخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.
(١٦) منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى.
(١٧) دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاج الشوكي.
(١٨) القيء غير المتعمد بخلاف المتعمد (الاستقاءة). ثانيا: ينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل ما لا يضر تأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما سبق. ثالثا: تأجيل إصدار قرار في الصور التالية، للحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة في أثرها على الصوم، مع التركيز =
[ ١ / ١١٨ ]