ويجوز إجارة الباصات، والسيارات بالنسبة كالثلث، وبالأجرة المعلومة كمئة في اليوم مثلا؛ وإنما يجوز الإيجار بالنسبة؛ لأنها مشمولة بعموم (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥)، و(إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، ولأن الأصل الجواز، ولوجود أصل شرعي لذلك، وهي استئجار الأرض الزراعية بالنسبة. وكيفية توزيع النسبة يضبط بالشرط أو العرف، فثلث الربح مثلا لطرف والثلثان للآخر، أو بحسب الاتفاق، وينص فيه على وقت الدفع كاليوم أو الشهر دفعا للخصومة، فإن لم ينص رجع إلى العرف.
ومن استأجر شيئا ضمنه؛ لأن الأصل في الأموال الضمان، ولأن العقود مقصودها المنفعة، فإذا سقط الضمان عاد سقوطه على هذا المقصود الشرعي بالبطلان، ولأن الضرر مدفوع، وعدم الضمان فيما أخذ من مال الغير ضرر؛ ولأن الرسول ﷺ قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (١)
إلا إن حدث أمر عام كحريق، أو حادث مرور وليس هو من أخطأ فيه.
_________________
(١) - قولنا «ولأن الرسول ﷺ قال (على اليد ما أخذت ..)، قلت: حديث «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» حديث صحيح، كما سترى بعد قليل، وقد صححه الحاكم والذهبي والسيوطي وابن طاهر وابن قدامة وحسنه الترمذي والأرناؤوط في تحقيقه على المسند، وقد تتبعت علة المضعفين وهي عدم سماع الحسن من سمرة فوجدتها لا تصح، فقد أثبت سماعه علي بن المديني والبخاري والحاكم والترمذي والذهبي وغيرهم، والمثبت مقدم على النافي، وقد تتبعت مروياته خلال تدريسي للحديث الشريف وعلله ومصطلحه في الحلقات العلمية قرابة ٢٠ عاما ورجحت هذا القول، وبينت ذلك في كتابي «النفس اليماني في شرح سنن أبي داود السجستاني» يسر الله إتمامه، والحديث أخرجه أبو داود برقم (٣٥٦٣) وابن ماجة برقم (٢٤٠٠) والترمذي برقم (١٢٦٦) وأحمد برقم (٢٠٠٩٨) وأيضا برقم (٢٠١٦٨)، والبزار برقم (٤٥٤٨)، والنسائي في الكبرى برقم (٥٧٥١)، والبيهقي برقم (١١٨١٦)، والحاكم برقم (٢٣٠٢) وقال على شرط البخاري، وقال الذهبي على شرط البخاري، وابن الجارود برقم (١٠٢٤)، والطبراني (٦٧١٩)، والدارمي برقم (٢٦٣٨)، والروياني برقم (٧٩٢)، وابن أبي شيبة (٢٠٩٤١)، والباغندي في أماليه (٢٣)، والمحاملي في أماليه (٢٨٤)، والشهاب في مسنده (٢٧٠)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير (٥٤٥٥)، وحسنه ابن قدامة في الكافي في فقه أحمد برقم (٢/ ٣١٤). قال الذهبي في السير (٣/ ١٨٤): سمع الحسن من سَمُرَة ولقِيَه بلا ريب. =
[ ١ / ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال ابن طاهر في تخريج أحاديث الشهاب: إسناده متصل صحيح. البدر المنير (٦/ ٦٥٤). قلت: ومن قواعد علم الحديث لدى أهل الجرح والتعديل أن شعبة بن الحجاج إذا روى عن شيوخه فمن فوقهم حديثا معنعنا فهو محمول على السماع، وفي ذلك نُقولٌ عنه كثيرة، وقد أخذها أهل الفن فاعتبروا روايته عن شيوخه فمن فوقهم متصلا بالسماع ولو كان معنعنا فمن ذلك ما في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٢٤): قلت: فأبو مالك سمِع من عمار شيئًا؟ قال: ما أدري ما أقول لك، قد روى شُعبة، عن حُصينٍ، عن أبِي مالك، سمِعتُ عمارًا، ولو لم يعلم شُعبة أنّهُ سمِع من عمار ما كان شُعبة يرويه. انتهى. قلت: وقد رواه شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة، جاء ذلك في مشيخة أبي الطاهر الذهبي المخلص -مخطوط الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (جوامع الكلم)، قلت: وسنده غاية في الصحة. وعنه رواه أحمد بن إسحاق الأبرقوهي في معجم شيوخه -مخطوطة دار الكتب المصرية (جوامع الكلم). قلت: وأخرجه كذلك الإمام أبو بكر بن الحسين المشهور بالمراغي في مشيخته من طريق أبي الطاهر المخلص المذكور، ط/ جامعة أم القرى (١/ ٤٤٠) قال: أنا أبو طاهر الذهبي، قال: أنا أبو بكر بن أبي داود، إملاءً، قال: ثنا عمرو بن علي بن بحر الصيرفي، ثنا يزيد بن زريع، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد وابن أبي عدي، قالوا: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندبٍ، عن النبي ﷺ قال «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». ومن أقوال الأئمة في سماع الحسن عن سمرة ما في علل الترمذي الكبير (١/ ٣٨٦) قال محمد -يعني البخاري: وسماع الحسن من سمرة بن جندب صحيح. وحكى محمد عن علي بن عبدالله أنه قال مثل ذلك. وفي تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (١/ ٧٦): وأما روايته عن سمرة بن جندب ففي صحيح البخاري سماعه منه لحديث العقيقة وقد روى عنه نسخة كبيرة غالبها في السنن الأربعة وعند علي بن المديني أن كلها سماع وكذلك حكى الترمذي عن البخاري نحو هذا. وقال يحيى بن سعيد القطان وجماعة كثيرون هي كتاب وذلك لا يقتضي الانقطاع، وفي مسند أحمد بن حنبل ثنا هشيم عن حميد الطويل قال جاء رجل إلى الحسن البصري فقال إن عبدا له أبق وأنه نذر إن قدر عليه أن يقطع يده فقال الحسن ثنا سمرة قال قلما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمر فيها بالصدقة ونهى عن المثلة وهذا يقتضي سماعه من سمرة لغير حديث العقيقة. انتهى. قلت: فهذا ترجيح من العلائي صاحب الأصل وأبي زرعة ولي الدين العراقي صاحب التحفة للسماع وأما يحيى بن سعيد فجعله كتابا وهو ليس طعنا كما لا يخفى عند المحققين. وفي معرفة التذكرة لابن طاهر المقدسي (١/ ١١٨) والحسن لم يشافه ابن عمر ولا أبا هريرة ولا سمرة ابن جندب ولا جابر بن عبدالله وسمع معقل بن يسار وعمران بن حصين والحسن لم ير بدريا قط خلا عثمان بن عفان وعثمان بدري. قلت: لكنه رجح أن هذا الحديث صحيح متصل مما يدل على إثباته لسماع الحسن من سمرة. وفي علل الحديث لابن أبي حاتم -تحقيق: سعد الحميد. (٣/ ٧١٣) وسألت أبي عن حديث؛ رواه أشعث بن عبدالملك، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة أن النبي ﷺ نهى عن التبتل. =
[ ١ / ٣٨ ]
استئجار الكاسيت ونحوها وأدوات الزينة:
واستئجار الكاسيت، والفيديو، وأنواع الإلكترونيات جائز، وكذا كل أدوات الزينة للأعراس وغيرها؛ لعموم حل البيع والتجارات، وهذا منه.
_________________
(١) = ورواه معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة: أن النبي ﷺ نهى عن التبتل. قلت: أيهما أصح؟ قال أبي: قتادة أحفظ من أشعث، وأحسب الحديثين صحيحين، لأن لسعد بن هشام قصة في سؤاله عائشة عن ترك النكاح، يعني التبتل. انتهى. قلت: فصنيع أبي حاتم يدل على أن سماع الحسن من سمرة صحيح. وفي التاريخ الأوسط (٣/ ٨٩) سمعت محمد بن إسماعيل قال: سمعت عليا يقول: سماع الحسن من سمرة صحيح وهو الحسن بن يسار. وقال ابن القيم صح سماع الحسن من سمرة وله كلام محقق في رد دعوى الإعلال بكونه كتابا فقال في إعلام الموقعين (٢/ ١٤٤) وعن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ «جار الدار أولى بالدار» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح. انتهى. وقد صح سماع الحسن من سمرة وغاية هذا أنه كتاب ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديما وحديثا وأجمع الصحابة على العمل بالكتب وكذلك الخلفاء بعدهم وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب فإن لم يعمل بما فيها تعطلت الشريعة وقد كان رسول الله ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي فيعمل بها من تصل إليه ولا يقول هذا كتاب وكذلك خلفاؤه بعده والناس إلى اليوم، فرد السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل والحفظ يخون والكتاب لا يخون. انتهى. قلت: والخلاصة أن الحديث حسن صحيح كما قال الترمذي، ومن ضعّف الحديث قال هو من رواية الحسن عن سَمُرَة، ولم يسمع منه، أو سمع منه حديث العقيقة. قلت: المثبت مقدمٌ على النافي، ومما تقدم يتبين أنه أثبت سماعه مطلقا الإمام علي بن المديني والبخاري والترمذي والحاكم والذهبي والعلائي وولي الدين العراقي وابن طاهر وهو ظاهر كلام أبي حاتم، وحقق ذلك ابن القيم في إعلام الموقعين، ورواية شعبة عنه المتقدمة تدل على صحة سماعه. وقد روي عن ابن معين نفيه السماع فلما احتج عليه بحديث سمرة في العقيقة توقف. وأما أحمد فقد أخرج أحاديث الحسن عن سمرة في المسند وكان يصرح فيما لم يسمعه الحسن، ولم يصرح في هذا الحديث بذلك، بل قد استدل به مرات كما هو معلوم في الفقه. قلت: ويشهد لحديث الباب الحديث الصحيح في السنن وغيرها عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: قال لي رسول الله ﷺ: إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعًا وثلاثين بعيرًا، فقلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة أم عارية مؤداة؟ قال: بل عارية مؤداة. وهذا الحديث صححه ابن حزم وغيره، وقد فهمه على غير الفهم الصحيح على ظاهريته، وجعله مناقضا لحديث «على اليد»، وأما من أعله بعنعنة الحسن وهو مدلس فلا يلتفت إلى قوله؛ لأنه من الطبقة الأولى والثانية كما قال الحافظ، وهؤلاء لا تضر عنعنتهم.
[ ١ / ٣٩ ]
وما كان من أدوات الزينة مما يعتاد على تلفها ويتسامح فيه فلا ضمان على المستأجر، كأدوات الكهرباء، وما كان لا يتلف عادة ولا يتسامح فيه كالملبوسات للأعراس والسيوف والذهب فالأصل ضمانه.
ودليل المسألتين أن الله جعل شرط التراضي شرطا للحل (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). والتراضي في الأول على عدم الضمان وفي الثاني على الضمان.