وطلب الوظيفة مباح، ويجب على جهة القبول العدل والإحسان في ذلك.
والعمل للمعيشة لكفاية النفس والأهل ممن يعول واجب لقوله ﷺ «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول» (١).
ولا إثم إلا في تضييع الواجبات.
ولأن «الرجل راع على أهله ومسئول عن رعيته» (٢).
ولأن النفقة واجبة على الرجل (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٣٣).
(لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: ٧).
_________________
(١) - حديث «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» أخرجه مسلم برقم ٢٣٥٩ وأبو داود برقم ١٦٩٤، كلاهما من حديث عبدالله بن عمر، ولفظ مسلم «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته».
(٢) - تقدم تخريجه.
[ ١ / ٧٠ ]
وتضبط بالمثل العرفي (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦).
ويقول ﷾ (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦)، وأول حقوقه النفقة على القادر لغير قادر.
وفي النص «لأن يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (١).
وخير ما يأكل الإنسان من عمل يده «وما أكل أحد طعاما قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده» (٢).
وقد رعى النبي ﷺ الغنم (٣)، ورعاها موسى ﵇ (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص: ٢٧)؛ فتبين بهذا مشروعية العمل.
وطلب الوظيفة الحكومية والأهلية وسيلة إلى تحصيل الرزق فشرعت.
ويجب طلبها إن لم يكن غيرها تحصيلا لنفقته ونفقة من يعول.
وعند التقدم للوظيفة يساوى بين المتقدمين في النظر إلى توفر الشروط؛ لأن هذا من العدل المأمور به (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠).
ولا مانع عند تساوي المتقدمين في الكفاءة والمؤهلات والخبرات أن يقدم ذو فاقة وحاجة؛
_________________
(١) - حديث «لأن يأخذ أحدكم أحبله» أخرجه البخاري برقم ٢٠٧٥ من حديث الزبير بن العوام ﵁ قال: قال النبي ﷺ «لأن يأخذ أحدكم أحبله خير له من أن يسأل الناس». وهو كذلك عنده برقم ٢٠٧٤ من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدا فيعطيه، أو يمنعه».
(٢) - قولنا «ما أكل أحد » هو من حديث أخرجه البخاري برقم ٢٠٧٢ عن المقدام ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود -﵇- كان يأكل من عمل يده».
(٣) - قولنا «وقد رعى النبي ﷺ الغنم» ورد فيه ما أخرجه البخاري برقم ٢٢٦٢ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم. فقال أصحابه: وأنت. فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة».
[ ١ / ٧١ ]
لأن مقصود الوظيفة تولية كفؤ أمانة العمل، وهذه مصلحة عامة، ومن جهة أخرى منفعة الموظف براتب مجزئ يسد حاجته ومن يعول، وهذه مصلحة خاصة معتبرة، والجمع بين المصالح عند القدرة على ذلك مطلوب شرعي؛ لأنه إحسان فوق إحسان.
فيشمله النص في قوله تعالى (وَأَحْسِنُوَا)، وقوله سبحانه (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، شمولا أوليا مقدما على ما يحقق مصلحة من جهة واحدة.