ومن أعطي سكنا من السكن العام من القطاع الخاص، أو العام كأساتذة الجامعات، أو قيم المسجد، فإنه لا يصح له تأجيره؛ لأنه ممنوع بالشرط الملفوظ أو العرفي؛ والعادة محكمة (١).
ولأن الأصل حرمة أموال الغير إلا بإذن (٢)، فإن أذن جاز، ويحرم تجاوز الإذن إلى أكثر منه.
_________________
(١) = هذان لم يروهما عن أحد، والباقون يقول: ذكر فلان، ولكن هذا فيه: حدثنا. وقال يعقوب الفسوي أيضا: سمعت بعض ولد جويرية بن أسماء -وكان ملازما لعلي- قال: سمعت عليا يقول: وقع إلي من حديث ابن إسحاق شيء، فما أنكرت منه إلا أربعة أحاديث، ظننت أن بعضه منه، وبعضه ليس منه. وفيه صـ ٦٠، قال ابن عدي: وقد فتشت أحاديثه كثيرا، فلم أجد من أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ، أو يهم في الشيء بعد الشيء، كما يخطئ غيره، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة، وهو لا بأس به. انتهى. قلت: خلاصة ما فيه أنه حسن الحديث وأما تدليسه فقاله أحمد ونقله الحافظ عن الدارقطني. قلت: ظاهر ما نقل عن ابن المديني أنه فتش جميع أحاديث محمد بن إسحاق وصححها، فيدل على عدم تأثير تدليسه، وهذه قاعدة عض عليها بالنواجذ فإن كثيرا من بحاثة العصر في هذا الفن يسقطون روايته بمجرد عنعنته. وعلى كل فهو هنا في الشواهد شاهد حسن، وللحديث شواهد أخرى وهو بهذه الشواهد يرتقي إلى حسن صحيح، ولذلك قال ابن الملقن في «خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير» للرافعي برقم ٢٨٩٧ (٢/ ٤٣٨) نقلا عن الحاكم: صحيح على شرط مسلم وقال ابن الصلاح حسن قال أبو داود وهو أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه وصححه إمامنا في حرملة. انتهى كلامه ﵀.
(٢) - قولنا «العادة محكمة» هذه إحدى القواعد الكبرى التي تدور عليها الشريعة، قال السيوطي في «الأشباه والنظائر»: (١/ ١٢٨): اعلم أن اعتبار العادة والعرف رُجِعَ إليه في الفقه في مسائل لا تمد كثرة». ط/ دار الكتب العلمية، ١٤٠٣ هـ/١٩٨٣ م، الطبعة الأولى. وفي الأشباه والنظائر لابن نجيم على مذهب أبي حنيفة النعمان (١/ ٩٣) «اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلا». ط/ دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤٠٠ هـ-١٩٨٠ م.
(٣) - قولنا «ولأن الأصل حرمة أموال الغير إلا بإذن» لعموم (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: ١٨٨)، ولحديث «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»، ثم استثنى التجارة بالتراضي والإذن ناتج عنه ولحديث «لا يحل مال مسلم إلا بطيب نفسه». وهذان الحديثان صحيحان، أما الأول فهو في صحيح مسلم برقم ٣٠٠٩ عن =
[ ١ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = جابر ﵁ وهو جزء من حديث طويل في الحج ومنه قوله ﷺ «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبدالمطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون». قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس «اللهم اشهد اللهم اشهد». ثلاث مرات. قلت: أما حديث «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه» فهو حديث حسن صحيح له طرق وشواهد غاية في الصحة كما سيأتي، وقد أخرجه أحمد في المسند برقم ٢٠٧١٤ من طريق حماد بن سلمة أنا علي بن زيد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه قال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس فقال: يا أيها الناس أتدرون في أي شهر أنتم، وفي أي يوم أنتم، وفي أي بلد أنتم؟ قالوا: في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه. ثم قال «اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه، ألا وإن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحرث بن عبدالمطلب كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل، ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع وإن الله عزوجل قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبدالمطلب لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ثم قرأ (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) (التوبة: ٣٦)، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ولكنه في التحريش بينكم فاتقوا الله عزوجل في النساء». قلت: هذا من طريق علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وقد وجدت له متابعة صحيحة في «المعرفة» لابن مندة، برقم ٢٣١ إذ قال: روى واصل بن عبدالرحمن، عن أبي حرة الرقاشي عن عمه أحاديث. أخبرنا محمد بن عبدالله بن حمزة البغدادي، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر الصايغ، قال: حدثنا عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن واصل بن عبدالرحمن، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه: أن النبي ﷺ قال «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه». قلت: وواصل ابن عبدالرحمن قال فيه شعبه: هو أصدق الناس. وقال أحمد: ثقة. وقال ابن معين: صالح. وحديثه عن الحسن ضعيف. وقال الحافظ: صدوق وكان يدلس على الحسن. قلت: وليس هذا الحديث من روايته عن الحسن، فهو متابعة جيدة لعلي بن زيد بن جدعان، فيكون الحديث =
[ ١ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حسن بهذه المتابعة، وصحيح لما له من الشواهد الكثيرة الصحيحة التي ستأتي. وضعفه العلامة الأرناؤوط محقق المسند بهذا الإسناد وصححه لغيره قائلا: صحيح لغيره مقطعا. وهذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد. قال أبو زكريا: أما شواهده فمنها للموصلي كما في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري -طبعة دار الرشد- (٢٠٦٢) - (٣٩٠٧) قال أبو يعلى الموصلي: ثنا زهير، ثنا أبو عامر، عن سليمان، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبدالرحمن بن سعيد، عن أبي حميد الساعدي: أن النبي ﷺ قال «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه». قال: وذلك لشدة ما حرم الله من مال المسلم على المسلم. قلت: هذا سند غاية في الصحة على شرط الشيخين. وهو عند أحمد برقم ٢٣٦٥٣ عن أبي حميد الساعدي، أن رسول الله ﷺ قال «لا يحل لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير حقه وذلك لما حرم الله مال المسلم على المسلم». قلت أبو سعيد شيخ أحمد هو عبدالرحمن بن عبدالله بن عبيد بصري قال الدارقطني في سؤالات أبي عبدالرحمن السلمي، قال: أصله بصري سكن مكة، وهو ثقة ووثقه ابن معين والطبراني والبغوي وابن شاهين وأحمد في رواية وقال عنه الحافظ في التقريب: صدوق ربما أخطأ، وقال في هدي الساري: تكلم فيه الساجي بلا مستند، ولم يصح عن أحمد تضعيفه، أخرج له البخاري في الوصايا حديثا متابعة، قلت وتعقب محققو التقريب الحافظ ابن حجر بقولهم: ثقة، لا نعلم من أين جاء بعبارة: صدوق ربما أخطأ، ولا نعلم فيه جرحا معتبرا سوى قول ابن حبان ربما أخطأ. قلت: عبارة الحافظ فيه دقيقة؛ لأنه فعلا قد يخالف ويخطئ والدليل الواضح على هذا هو مخالفته للثقات في رواية لفظ هذا الحديث وهذا يعد شذوذا هنا فتبين ثقابة نظر الحافظ ﵀ مع أني قد أوافق المنتقدين في كونه ثقة تبعا لكبار الأئمة إلا أني أوافق الحافظ في قوله ربما أخطأ وأقول لم يقل ذلك ابن حبان فقط كما يفهم من كلامهم بل الساجي وأحمد قالا ما يفيد ذلك، وهذا هو السبب في توسط أبي حاتم فيه بقوله ما كان به بأس، وهو ما رجحه الحافظ وأبعد العقيلي فجعله في كتابه. وعن الموصلي رواه ابن حبان في صحيحه فقال (٦١٠٤) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، عن سليمان بن بلال، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبدالرحمن بن سعد، عن أبي حميد الساعدي، أن النبي ﷺ قال «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه»، قال ذلك لشدة ما حرم الله من مال المسلم على المسلم. قلت: هذا سند صحيح أبو يعلى شيخ ابن حبان هو أحمد بن علي مجمع على إمامته وحفظه وبقية السند أثبات من رجال الشيخين البخاري ومسلم. وأخرجه البيهقي في الصغرى برقم ٩٧٣ من طريق سليمان، والروياني في المسند (١٤٦٦) من طريقه. وله شاهد آخر، قال الدارقطني (٢٨٦٠) نا محمد بن عبيد بن العلاء الكاتب، نا علي بن حرب، نا زيد بن الحباب، عن عبدالملك بن الحسن الأحول مولى مروان بن الحكم، حدثني عبدالرحمن بن أبي سعيد، حدثني عمارة =
[ ١ / ٤٩ ]
ولم يؤذن له ذلك في العقد، ولا العرف. والإيفاء بالعقود واجب بالنص (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
فمن أجر السكن العام الممنوح له، فلم يف بالعقد، فهو آثم حينئذ وضامن كذلك عند الضرر، ولا يحل له الإيجار، بل يورد للجهة المانحة للسكن.