والوظيفة في البلاد غير المسلمة جائزة؛ لعموم أصل الإباحة، ومن ادعى المنع فعليه بالدليل الصحيح الصريح الخالي من المعارضة.
والنهي عن الإقامة بين ظهراني المشركين كان للإلزام بالهجرة إلى المدينة، فلما فتحت مكة رفع الإلزام بـ «لا هجرة بعد الفتح» (١)، ويحمل المنع بعدها على حالة الحرب؛ لإمكان إصابة مقيمين من المسلمين، ولأنه -أي المقيم- ناقص النصرة، لا نصرة له في حالة استنصاره وهو في بلد معاهدة (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) (الأنفال: ٧٢).
وهذه من علل النهي عن الإقامة.
وقد كف الله أيدي المؤمنين عن مكة؛ لأجل المقيمين من المسرين بالإسلام (وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء) (الفتح: ٢٥)، والعلة هي (فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الفتح: ٢٥)، وهذه تبعة، فنهى عن الإقامة تبرئة للذمة في مثل هذه الحالات.
_________________
(١) - حديث «لا هجرة بعد الفتح» متفق عليه عند البخاري برقم ٢٧٨٣، ومسلم برقم ٤٩٣٦، وكلاهما من حديث ابن عباس، وفي الباب أحاديث.
[ ١ / ٧٦ ]
فالبراءة في حديث «أنا بريء من مقيم بين ظهراني المشركين تتراءى نارها» (١) هي براءة تبعة من إصابته حال حدوث حرب، فلا يلزم إثم ولا دية؛ لتعذر التمييز بين مشرك ومسلم مقيم بينهم.
ولأن الصحابة بأمر من النبي ﷺ أقاموا في الحبشة مهاجرين الهجرتين واستمروا بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة ولم يلزمهم بترك بلاد الكفر إلى المدينة كما ألزم من كان في مكه، وكانت الحبشة على النصرانية، فدل على جواز الإقامة في بلد غير مسلمة، ولا يقال هو منسوخ بحديث المنع؛ لعدم ثبوت التاريخ، بل هو دليل على ما قدمنا أنه نهى لرفع التبعية والمسئولية عن المقيم في بلد الحرب حال الحرب.
ولأنه لو حمل حديث المنع من الإقامة في بلاد الكفار على عمومه للزم وجوب هجرة المسلمين كافة إلى بلاد الإسلام، وهذه مشقة خارجة عن المعتاد، وقد نسخ هذا بـ «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» (٢).
فلو منع من أسلم من الإقامة في أهله وأرضه لشق ذلك على من أراد أن يسلم في أصقاع الأرض، وللزمه الهجرة، ولم يقل بهذا أحد من أهل الإسلام، ولأدى ذلك إلى الصد عن الدخول في الإسلام لهذه المشقة؛ لأن مفارقة الوطن والأهل من أعظم المشقات.
_________________
(١) - حديث «إني بريء ..» مختلف في وصله وإرساله، وهذه علة، وقد أخرجه الطبراني في أكبر معاجمه برقم ٢٢١٥ من حديث جرير، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع إليهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فأمر لهم بنصف العقل، وقال «إني بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين»، قالوا: يا رسول الله، ولم؟ قال «لا تراءى نارهما». قلت: وإسناده صحيح، وقد أعل بالإرسال كما سيأتي. وأخرجه الإمام أبو داود في السنن برقم ٢٦٤٥، بلفظ (بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل قال فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين قالوا يا رسول الله لم قال لا تراءى ناراهما قال أبو داود رواه هشيم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة لم يذكروا جريرا). قلت: وهذا يدل على ترجيح الإمام أبي داود للإرسال، وهو ما رجحه الترمذي والبخاري وظاهر صنيع النسائي، فقد أخرجه في السنن برقم ٤٧٨٠ مرسلا، ورواه الترمذي في السنن برقم ١٦٠٤ وبين الاختلاف فيه، وقال الحافظ في بلوغ المرام برقم ١٢٦٤: رواه الثلاثة وإسناده صحيح ورجح البخاري إرساله.
(٢) - سبق تخريجه.
[ ١ / ٧٧ ]
ولذلك اختبر الله بها عباده المهاجرين الأولين، وألزمهم بها نصرة لدولته ورسالته ثم نسخت إلى يوم القيامة بالنص الصحيح الصريح المجمع على العمل به.
فالأصل الإباحة الأصلية العامة زمانا ومكانا، وأشخاصا في العمل في أي مكان على وجه الأرض.
ويجوز لمسلم أن يلي ولاية للكفار في بلادهم تعود بالنفع الإنساني عليهم، لفعل يوسف الصديق، وله أن يقدم الاستشارات والخبرات في وظيفته، وأن يقوم فيها بالعدل والقسط والإحسان والأمانة؛ لعموم الأدلة في ذلك ولم يخصصها دليل إلا أن يعمل لحربيين ما يقويهم على ضرر الإسلام فيحرم.
ولأن يوسف تولى ولاية عامة للكفار وهو من الرسل، ولم يخصص ذلك دليل.
بل ساقه الله مساق المدح والامتنان عليه وسماه تمكينا ورحمة (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء) (يوسف: ٥٦).
فمن تولى ولاية عامة أو غيرها في بلاد المسلمين أو غير المسلمين فهو تمكين ورفعة ورحمة.