وللموظفين وغيرهم إنشاء جمعية شخصية يتعاونون من خلالها على الادخار بجمع جزء متساو من رواتبهم ويسلم المبلغ كاملا لأحد المشتركين معهم شهريا حتى يدور ذلك على الكل.
وهو عقد إرفاق مشمول بعموم (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: ٢)، وبعموم (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، فالكل محسن ويقابل بمثل إحسانه.
وتخريجه الشرعي أنه عقد قرض معين من متعددين معينين بأجل معين لكل فرد منهم بتاريخ مستقل، فهذا تعريفُ أوَّلِهم قبضا.
وأما آخرهم قبضا فهي له جباية قرض آجل معين من معينين في أجل واحد.
_________________
(١) - قولنا «وقد ولى النبي ﷺ ابن أم مكتوم الأذان» الأحاديث التي تدل على ذلك كثيرة مخرجة في الموطأ وفي الصحيحين وفي السنن وفي المسانيد والمعاجم وهي أشهر من أن نذكر فيها حديثا أو حديثين.
(٢) - قولنا «وولاه على المدينة » أخرجه أحمد برقم ١٢٣٦٦ من حديث أنس ﵁ قال: استخلف رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم مرتين على المدينة، ولقد رأيته يوم القادسية معه راية سوداء. قلت: سند هذا الحديث حسن لأجل عمران القطان صدوق وبقية رجاله رجال الشيخين. وفي الباب جملة من الأحاديث.
[ ١ / ٧٤ ]
وأما ما بين الأول والآخر فهو عقد قرض معين آجل أقرضه لآخرين واقترضه من آخرين معينين يَقْبضه منهم ويُقْبضه في أجل معين لكل شخص.
ومن منعه بعلة أنه قرض جر نفعا (١) فلم يصب؛ لأن الحديث في ذلك ساقط ولا يصح كقاعدة فقهية كذلك.
وعلى فرض التسليم بالاحتجاج به أو بالقاعدة فنقول بعدم صوابية ذلك؛ ولأن عموم الحديث مخصوص قطعا لجواز قبول الهدية بلا شرط وهذا جر نفعا.
ولأن صور التجارات بالدين جائزة في الأصل مع جرها نفعا تجاريا قطعيا، فدافع رأس مال السلم هو مقرض، وقابضه مقترض مقابل سلعة، وأجازه الشرع للحاجة، وخَرَّجَهُ الفقهاء على بيع في الذمة علة جوازه عموم الحاجة.
وكذا من يداين الناس في السلع التجارية بآجل مع زيادة ثمن يفيد ويستفيد، وقد جر نفعا، وهو مباح؛ لأن الأصل حل التجارات.
فلا بد أن يؤول الحديث أنه قرض إحسان وإرفاق شرط معه ربحٌ زائدٌ على أصله، وإلا لزم بعمومه إبطال معلومات الجواز من الأدلة وهي كثيرة، لأنه ما من إقراض تجاري إلا وله نفع.
_________________
(١) - قولنا «بعلة أنه قرض جر نفعا» قلت: حديث «كل قرض جر منفعة فهو ربا» حديث ساقط باتفاق أهل الحديث. رواه الحارث كما في المطالب العالية رقم ١٤٤٠ لابن حجر، وفيه سوار بن مصعب وهو متروك بلا خلاف، وهذا الحديث قال فيه العجلوني: وإسناده ساقط (كشف الخفا) ط/ دار إحياء التراث العربي (٢/ ١٢٥). وقال الحافظ في بلوغ المرام رقم ٨٦١ رواه الحارث بن أبي أسامة وإسناده ساقط. وقال أبو حفص عمر بن بدر الموصلي في المغني عن الحفظ والكتاب: لم يصح فيه شيء عن النبي ﷺ صـ ٨١، ط/ دار الكتاب العربي. وضعفه السيوطي في «الجامع الصغير»، والبوصيري في «إتحاف الخيرة» برقم ٢٩٣٧. وعبدالحق الإشبيلي وأعله بسوار بن مصعب وقال إنه متروك وأقره الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٦٠) ط/ عوامة. وضعفه ابن الملقن في «خلاصة البدر المنير» ط/ مكتبة الرشد (٢/ ٧٨). وقال ابن عبدالهادي الحنبلي في «تنقيح التحقيق»: هذا إسناد ساقط وسوار هو ابن مصعب وهو متروك الحديث (٤/ ١٨٠) ط/ أضواء السلف -الرياض. وقال الصنعاني في «سبل السلام»: إسناده ساقط. وقال السخاوي والمناوي: إسناده ساقط -فيض القدير (٥/ ٣٦) ط/ دار الكتب العلمية. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» برقم ٩٧٢٨. وقال الفيروز آبادي: إنه موضوع ولا عبرة بأخذ كثير من الفقهاء به. وضعفه العلامة ابن باز، كما في مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٩٤)، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، ومحمد رشيد رضا في المنار، وصاحب أسنى المطالب. وكذا ليست بقاعدة فقهية، وإنما هو قول عن ابن عباس ﵁ ولا إجماع على العمل به. انظر المغني لابن قدامة (٩/ ١١١)، فقد نقل مذاهب في ذلك. وكذلك ابن نجيم في البحر الرائق.
[ ١ / ٧٥ ]
ولأن المسألة في المعاملات أصلها على الإباحة، فإن جاء معارض ناقل عارضه أصل مبق على الأصل زائد على مجرد الإباحة كما هنا، قدم: لأن المبقي على الأصل أولى حتى يقطع بما يزحزحه عن يقين الإباحة الأصلية وعواضدها.
وهاهنا تعارض أصل الإباحة الأصلية مع ناقل وهو: أي قرض جر نفعا؛ فضعف الناقل لكثرة استثناءاته، وعضد الأصل بأصول الأمر بالتعاون والإحسان.
وبقي النص الناقل لحالة متيقنة واحدة لا ترد هنا، وهي القرض مع شرط رده وربح زائد عليه.
فهذا هو اليقين من تأويلاته وغيرها ضعيفة.
وهذا التأويل اليقيني لا يرد هنا في مسألة جمعية الموظفين.