بقلم/ خالد أبا زيد الأذرعي
قال المؤرخ بهاء الدين محمد بن يوسف الجَنَدي (المتوفى سنة ٧٣٢ هـ) في كتابه «السلوك في طبقات العلماء والملوك» (١) في ترجمة الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني اليماني مؤلف كتاب «البيان» (٢) (المتوفى سنة ٥٥٨ هـ): (ولما قدم به -أي بالبيان- بغداد جُعل في أطباق الذهب وطيف به مزفوفًا في بغداد وحاراتها.
ثم لما قدم به بخط علوان قال جماعة من أهل العراق ما كنا نظن في اليمن عالما حتى قدم علينا «البيان» بخط علوان، رضيه الفقهاء المحققون وانتفع به الطبقة المدرسون، ونقل عنه المصنفون حتى كان كاسمه للشرع تبيانا وللفقه بيانا أجاب به عن المعضلات وأوضح به المشكلات وقسم به الأوصاف والاحترازات)، ونقل عنه المؤرخ الخزرجي اليماني (المتوفى سنة ٨١٢ هـ) في كتابه «العقد الفاخر الحسن» (٣).
ونحن اليوم نزف إلى جمهورنا الكريم قراء العربية في اليمن وبلاد العرب والعالم جميعا، من يمن الإيمان والحكمة والفقه كتاب «المقدمة في فقه العصر» لم يسبق في موضوعه وشموليته وعنايته بنوازل ومستجدات العصر، فهو لازم للقاضي والمحامي ورجل الدولة والطبيب والتاجر والعسكري والتربوي والإعلامي ومدير البنك والمرأة والمزارع، والمعنيين بهذا الكتاب كثر.
عهدنا بالفقه كما درسناه سلمًا يبدأ بالطهارة، ثم الصلاة والزكاة ثم الصوم والحج، وأبواب في الفقه أخرى.
وفصّل الأئمة رحمهم الله تعالى المتقدمون منهم والمتأخرون فيه، ولم يتركوا مسألة إلا أشبعوها حتى افترضوا مسائل حسبوها تقع يوما ما، أولئك فقهاء المذاهب الأربعة خاصة، والمذاهب الفقهية الأخرى عامة.
لقد بذلوا جهدهم وقدموا طاقتهم وما قدروا عليه.
غفر الله لهم وكتب أجرهم، حتى قال قائلهم: (كفيتوا ووفيتوا).
_________________
(١) - الكتاب طبع بمجلدين بتحقيق القاضي محمد بن علي الأكوع، نشرته مكتبة الإرشاد بصنعاء سنة ١٩٩٥ م.
(٢) - كتاب البيان في فقه المذهب الشافعي، طبع في «١٤» مجلد بعناية قاسم محمد النوري، الناشر دار المنهاج/ جدة، سنة ١٤٢٤ هـ.
(٣) - طبع في الجيل الجديد ناشرون - صنعاء، في «٥» مجلدات عام ٢٠٠٩ م، بتحقيق مجموعة من الباحثين.
[ ١ / ٥ ]
ويدور الكون دورته ويبدأ عصر الآلة وتتغير طرق الإنتاج وندخل طور المجتمع الصناعي، ويتوسع مجتمع المدينة وتبنى علاقات غير التي عهدتها المجتمعات الزراعية والرعوية.
لقد منح الله ﷾ الإنسان القدرة على التعلم وطلب المزيد من المعرفة حتى غدا بحواسه يميز ما يعينه على تكوين قدرات عقلية تمكنه من العلم.
ولكن بالانخراط بالواقع ومعايشة الناس تعاملًا معهم في صور الحياة المختلفة ومساهمة واقعية في أنشطتهم المتنوعة.
إن الجهل بالواقع والغفلة عنه يؤدي إلى أن يسود الجمود والتحجر والانغلاق وتغييب سعة الإسلام ورحمته ولا تستوعب مقاصده.
ثم الوقوف على ما يهم المسلمين وهو نتيجة لدراسة مستفيضة لهذا الواقع.
يقول الإمام الغزالي ﵀ (ت ٥٠٥ هـ) في حديثه عن حصر المصالح الضرورية: «ومقصود الشرع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة والدفاع عنها مصلحة، وهذه الأصول حفظها واقع وأولوية في رتبة الضرورات فهو أقوى المراتب في المصالح» (١).
والأمور الحاجية هي الأمور التي يحتاجها الناس لتأمين شؤون الحياة بيُسر وسهولة، وتدفع عنهم المشقة وتخفف عنهم التكاليف وتساعدهم على تحمل أعباء الحياة، وإذا فقدت سيلحق الناس الحرج والضيق والمشقة.
وتأتي الأحكام لتحقق للناس مصالحهم وترفع عنهم العسر وتيسر لهم سبل التعامل وتساعدهم على صيانة مصالحهم.
ويؤكد الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في غير موضع أن على المجتهد أن يكون ملمًّا بثقافة عصره حتى لا يعيش منعزلًا عن واقعه بعيدًا عن هموم ما يعانيه أبناء أمته، وحتى تتكون لديه مفاهيم جديدة يواجه بها مستجدات العصر ومتغيرات الحياة.
يقول الدكتور عبدالسلام ياسين ﵀ (ت ١٤٣٣ هـ): إن من لا يعرف واقع المسلمين ومنابع الفتنة في تاريخهم وحاضرهم وطبيعة الصراع بين الإسلام وخصومه لا يستطيع أن ينزِّل شرع الله على واقع يستعصي (٢).
_________________
(١) - انظر المستصفى في علم الأصول ١/ ١٧٤.
(٢) - انظر كتابه «تنوير المؤمنات» صـ (٦٤).
[ ١ / ٦ ]
وقد تشتد وطأة البلاء فيسود مصطلح: لا يجوز، يحرم ، تعبيرًا عن الرفض فتتسع دائرة الحرام، فلا يجد الفقهاء مخرجًا لكثير من مستجدات العصر وهذه كارثة.
يقول الإمام الكيا الهراسي الشافعي -﵀ (ت ٥٠٤ هـ): وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع المسلم عن أكل الميتة في تلك الحالة كان عاصيًا (١).
وهذه مراعاة للنفس البشرية وأحوالها والتيسير عليها ورفع الحرج عنها (٢).
جاء في مصنف (٣) الإمام عبدالرزاق الصنعاني (المتوفى ٢١١ هـ): «أن عمر بن الخطاب أرسل إلى امرأة مغيبة -أي غاب عنها زوجها- كان يُدخل عليها فأنكر ذلك، فأرسل إليها، فقيل لها: أجيبي عمر؟ فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر، قال: فبينا هي في الطريق فزعت فضربها الطلق فدخلت دارًا فألقت ولدها فصاح الصبي صيحتين ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ فقال لعلي: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أن ديته عليك، فإنك أنت أفزعتها وألقت ولدها في سببك، قال: فأمر عليًّا أن يقسم عقله على قريش» (٤).
من أين لنا اليوم عمر ومن أين لنا اليوم علي؟
كم قتلت نساءٌ بطائرات وصواريخ وراجمات وبراميل وكم فزعن وكم أسقطن ولا رقيب ولا حسيب، ولا عمر ولا عليّ.
ثم عودة أخرى إلى الواقع.
ونعني بالواقع ما تجري عليه حياة الناس في مجالاتها المختلفة من أنماط مختلفة في المعيشة وما يستجد فيها من أحداث ونوازل.
فتنزيل النصوص إنما هو ثمرة فهم الواقع وتفاعل النص مع الواقع، والواقع هو الأفعال الإنسانية التي يراد تنزيل الأحكام عليها وتوجيهها بحسبها.
وفقه الواقع بني على دراسة الواقع المعاش دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الحياة، معتمدة
_________________
(١) - نسب خطأً هذا النص المدون في الطبعة الأولى للإمام الجصاص (المتوفى ٣٧٠ هـ).
(٢) - انظر: كتاب أحكام القرآن ١/ ٣٤.
(٣) - طبع في المكتب الإسلامي، بيروت في «١٢» مجلدًا، بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، والإمام المحدث عبدالرزاق بن همام الصنعاني المتوفى بصنعاء، وقبره في قرية حمراء العلب في الجنوب الشرقي من صنعاء بمسافة «٥» كم تقريبًا، وقد زرت مسجده وقبره فيه.
(٤) - انظر: المصنف ٩/ ٤٥٨.
[ ١ / ٧ ]
على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات، والوقوف على ما يهم المسلمين.
وكتابنا هذا عصارة جهود مضنية تعالج مستجدات العصر ونوازله.
إنه يؤسس لدولة عصرية مدنية مسلمة، وإن شئت فهو يضع دستور دولة الخلافة القادمة إن شاء الله.
مسائل كبرى يرسم الشيخ المؤلف قواعدها ويؤصل نظريات تطبيقية، ويلج قضايا كبرى كان الفقهاء حتى الأمس القريب أمامها وجلين مترددين.
الكتاب تناول فيه الشيخ المؤلف القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والطبيّة والعلاقات الدولية والعلمية المعاصرة.
* لا حصانة لملك أو رئيس أو أمير أو قاضٍ أو وزير، الكل أمام التكليف والمسؤولية متساوون مع سائر أبناء الأمة.
* فصل السلطات إن كان يحقق المصالح الأكثر للأمة فهو مقدم.
* ويجوز للمرأة والرجل الانتخاب وتتساوى أصواتهم لأنها ليست شهادة محضة، بل هي اختيار ووكالة.
* الاستبداد محرم وقد أجمع العلماء على خلع من لا يشاور، وهي من السياسات التي أوردها الله سبحانه مورد المقت والذم (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر: ٢٩).
* السياسات الخاطئة للدولة، ومنها العطايا المالية لشراء الذمم.
* منع خصخصة المؤسسة العسكرية لحماية الحاكم لا لحماية الشعب.
* وإذا دفع البنك تمويلًا للعميل في عملية تجارية فيكون البنك ممولًا والعميل قائمًا بالعمل وهذه عين المضاربة فتجوز.
* منع استهداف السفارات والشركات الأجنبية في بلاد المسلمين؛ لأنها موجودة بإذن وأمان.
* في قوانين المرور، وإشارات المرور ملزمة للناس، وهي طاعة تتعلق بمصالح الأمة العامة، ودفع مفاسد خاصة وعامة، إلا في حالة الضرورة والحاجة كإسعاف مصاب مع غلبة السلامة عند التجاوز.
* ولا يصلى على قاطع صلاة، ولا على الغال من الغنيمة، ومثله قياسًا مختلس المال العام.
* والحرية الصحفية مشروعة بضوابطها وهي جزء من الحريات العامة.
[ ١ / ٨ ]
* وفي الفن: التمثيل في الأفلام والمسارح والمسلسلات الأصل فيه الإباحة؛ لأنها من المسائل المسكوت عنها، وما سكت عنه فقد نص الله ﷿ على أنها من العفو، ما لم يشتمل على محظور وَعَدّدَها.
* وفي الاتصالات: .. وتتكلم المرأة مع أجنبي بلا خضوع ولا ضحك ولا تطيل المكالمات إلا لضرورة أو لحاجة ماسة.
* ومسائل البورصة، وسوق الأسهم، والسندات، والتوكيلات والتحويلات، كل ذلك له قول فصل فيه، مشفوعًا بالدليل.
* حق المرأة في التعليم إلى أعلى المستويات للنصوص المتواترة في فضل العلم وأهله، وذم الجهل عامة، فيدخل فيه الذكر والأنثى للعموم.
منّ الله ﷾ إذ انتهت الطبعة الأولى في زمن قياسي وانتشرت في عموم بلاد المسلمين، واعتمده الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مرجعًا معتبرًا في مؤتمره الذي عقد في اسطنبول مؤخرا.
ولله الأمر من قبل ومن بعد، وفي ساعة صفاء ذهن وامتداد أفق آمل وأتمنى وكلي أمل أن يغدو هذا الكتاب يومًا وهو يشكل الجزء الثاني من كتاب فقه السنة للراحل السيد سابق -﵀.
وبعد أن غدا الكتاب جاهزًا للطبع لا يسعني إلا أن أشكر المؤلف الشيخ الدكتور فضل بن عبدالله مراد على جهوده في خدمة العلم، والله أرجو أن يثيبه ويكتب أجره.
كما أثمن ما يقوم به مدير عام مجموعة الجيل الجديد محمد عبدالله الآنسي من عناية واهتمام ودعم للكتاب في وقت عزّ فيه من يضع ماله في كتاب.
والحمد لله رب العالمين ..
الرياض في ٢١ رمضان ١٤٣٦ هـ
_________________
(١) - الكتاب طبع بمجلدين بتحقيق القاضي محمد بن علي الأكوع، نشرته مكتبة الإرشاد بصنعاء سنة ١٩٩٥ م.
(٢) - كتاب البيان في فقه المذهب الشافعي، طبع في «١٤» مجلد بعناية قاسم محمد النوري، الناشر دار المنهاج/ جدة، سنة ١٤٢٤ هـ.
(٣) - طبع في الجيل الجديد ناشرون - صنعاء، في «٥» مجلدات عام ٢٠٠٩ م، بتحقيق مجموعة من الباحثين.
(٤) - انظر المستصفى في علم الأصول ١/ ١٧٤.
(٥) - انظر كتابه «تنوير المؤمنات» صـ (٦٤).
(٦) - نسب خطأً هذا النص المدون في الطبعة الأولى للإمام الجصاص (المتوفى ٣٧٠ هـ).
(٧) - انظر: كتاب أحكام القرآن ١/ ٣٤.
(٨) - طبع في المكتب الإسلامي، بيروت في «١٢» مجلدًا، بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، والإمام المحدث عبدالرزاق بن همام الصنعاني المتوفى بصنعاء، وقبره في قرية حمراء العلب في الجنوب الشرقي من صنعاء بمسافة «٥» كم تقريبًا، وقد زرت مسجده وقبره فيه.
(٩) - انظر: المصنف ٩/ ٤٥٨.
[ ١ / ٩ ]