فهي ما يؤتدم به ويعصر منه وهي أربعة أنواع:
أولها: البقوليات بأنواعها كفول، وفاصوليا، وعدس ونحو ذلك.
[ ١ / ١٨٦ ]
وثانيها: الخضروات من ثوم، وبصل، وفجل، وجمع هذا في قوله تعالى (مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) (البقرة: ٦١).
وثالثها: الدهن ورأسه الزيتون (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ) (المؤمنون: ٢٠).
ورابعها: السكريات الغذائية، ومنها التمر والزبيب، إذْ التمر يقوم مقام الحاجيات الغذائية، وبعض الضروريات، ويعصر منه ومن الزبيب الأشربة المباحة، والخل «ونعم الإدام الخل» (١)، فإذا أسكرت حرمت.
وأما التحسينات الغذائية: فهي ما دار حول التفكه وهو نوعان:
الفواكه، واللحوم بَرِّيُّها وبَحْرِيُّها، وما ندر من الغذاء، فاستعمالها دواء وغذاء كالعسل.
فالفواكه تشمل سائر أنواع الفواكه الغذائية، وتوفيرها من الأمن الغذائي؛ لأنها بديلة في الطوارئ عن ضروريات الغذاء بالنص (أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ* لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) (الواقعة: ٦٤ - ٦٥)، أي تنتقلون إلى البديل الطارئ وهو الغذاء بالفاكهة.
فالنوع الأول والثاني من الغذاء الضروري والحاجي لما كان لا بد للإنسان منهما خلقهما الله سبحانه بحيث لا يتسرع إليهما فساد، وإلا لذهبت الحياة، فالحبوب والبقوليات والتمر والزبيب قابلة للادخار الطويل والتخزين لسنوات، والماء خلق جاريا يدفع عن نفسه الخبث.
ولذا نهي عن تقذيره وتلويثه وإفساده، خاصة الراكد بالنص.
وأما اللبن فخلقه الله محفوظا في الضرع لا يمكن طروء فساد عليه.
وأما الزيوت؛ فخلقها دافعة لتَسَرُّع فسادها.
والملح لا يفسد ما بقي.
وأما ما يتسارع إليه الفساد من الخضروات مع أنها في مرتبة الحاجيات؛ فجعلها الله سريعة الإنبات لا موسمية كالحبوب ونحوها من القوت المدخر.
_________________
(١) - حديث «نعم الإدام الخل» حديث حسن صحيح أخرجه أبو داود برقم ٣٨٢٢، والترمذي برقم ١٨٣٩، وله شاهد من حديث عائشة عنده، وقال حسن صحيح غريب ١٨٤٠. وأخرجه أحمد بسند على شرط الشيخين من حديث جابر برقم ١٤٣٠٠.
[ ١ / ١٨٧ ]
وجعل عنها ما يغني في المقتات المدخر من البقوليات والتمر والزيوت عند فقدها، وهي من قسم الحاجيات.
فقسم الحاجيات والضروريات يقوم بعضه بالتناوب مقام بعض، حكمة وآية للناس.
وجعل الفاكهة موسمية غير عامة لكل الناس ولا تغطي حاجاتهم؛ لأنها ليست من مرتبة الضروريات ولا الحاجيات.
وقد جمع الله في آية واحدة سائر أنواع الغذاء فقال (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) (الرحمن: ١٠ - ١٢).
فالفاكهة مكمل غذائي للحاجي والضروري وبديل غذائي لهما في الحال الطارئ بالنص (لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) (الواقعة: ٦٥)، أي تقتاتون على الفاكهة كوضع بديل طارئ لا دائم؛ لتعذره.
والنخل حاجي يقوم مقام كثير من الضروريات الغذائية، والحاجيات، والتحسينات؛ لخاصية فيه مع كونه صالحا للصناعات في المشروبات والتخللات وحرم تخميره.
والحب ذو العصف شامل للحبوب بأنواعها، وهي من ضروريات الوجود البشري، وشامل لضرورة الغذاء الحيواني، وهو العصف، أي: الورق والقصب.
وأما الريحان فهو كل الخضروات وما نبت على الأرض.
وكل ما تعلق بأصل الغذاء الضروري البشري والحيواني خص بأحكام مشددة.
فمنها تحريم الربا في هذه الأنواع «البر بالبر والشعير بالشعير والقمح بالقمح والتمر بالتمر والملح بالملح والزبيب بالزبيب» (١).
ولذا كان القياس عليها صعبا، وتفرق فيه الفقهاء على أكثر من أربعة عشر قولا.
والصحيح أنه لا قياس؛ لأن لهذه الأمور خاصية مستقلة لا يقوم غيرها مقامها.
ومن ألحق بها البقوليات المدخرة قيل بصوابه؛ لأنها من الحاجيات، وهي تنزل منزلة الضروريات.
_________________
(١) - أخرجه البخاري برقم ٢١٧٥، وبرقم ٢١٣٤ من حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء».
[ ١ / ١٨٨ ]
ولم يُذْكَر اللبنُ ولا الماءُ في النص على الربا؛ لأنها لا تتفاضل ولا تتفاوت عادة وغالبا.
ولأنها حين تستعمل كسلعة تجارية لا يكون ذلك إلا فيما فاض عن الضروريات والحاجيات ونزل إلى أنواع الترفيهات.
وبيان ذلك أن اللبن متوفر في مرتبة الضرورة الحاجية في الضرع للمولود إنسانا أو حيوانا، فهذه مرتبة الضرورة، ولا يمكن انقطاعها البتة إلا عند عموم المجاعة.
وهو وضع استثنائي لا أصلي، فلا تجري فيه كثير من الأحكام فضلا عن الربويات.
وأما الماء؛ فلأن الحاجة الضرورية منه متوفرة للحياة الإنسانية والحيوانية على الأرض على مدار الإنسانية والتاريخ، ولا يشترى الماء من السوق إلا في حالات لا يحكم عليها بالضروريات بل التبسط والترفه والتحسينات المعيشية.
وحديث الربويات ذكر الربا في المواد الغذائية التي يقوم عليها الأمن الغذائي، وألحق به الذهب والفضة؛ لأنها أصول القيمة للغذاء وغيره؛ فلا بد منها، وما قام مقامها من نقدٍ كالنقود المعاصرة، فهو مثلها في الحكم، بخلاف المواد الغذائية المذكورة في الحديث والتي يدور عليها الأمن الغذائي، فلا يقوم غيرها مقامها.
فواجب مؤسسة الأمن الغذائي أن توفر المراتب الغذائية الثلاث.
فالضروريات الأربع تامة.
ومن الحاجيات يجب على الدولة توفير البقوليات؛ لأنها أصل في التوسعة على أصل الحياة البشرية، ويليها الخضروات والزيوت والسكريات.
وهذه المرتبة مكملة لمرتبة الضروريات.
وأما المرتبة الثالثة، وهي ما يدور حول التفكه والترفِّه سواء بالفاكهة أو اللحوم أو السكريات، فهي في توفيرها لازمة لزوما كليا؛ لأنها من المصالح الغذائية الهامة، والدولة ما جاءت إلا لخدمة ورعاية المصالح العامة والكبرى، ومن أولها الغذاء؛ فشمل هذه المرتبة؛ ولأنها حامية لمرتبة الضروريات والحاجيات الغذائية.
فإذا أهْمِلت وأخل بها تطرق الإخلال إلى ما فوقها من المراتب.
[ ١ / ١٨٩ ]
والواجب على الدولة من خلال هذه المؤسسة اتخاذ كافة الوسائل الموصلة إلى توفير الأمن الغذائي بدرجاته الثلاث.
ومن أكبر الوسائل إقامة نهضة زراعية شاملة تخطيطًا، وإنشاءً، وتنميةً، وحفظًا، ورعايةً، وتخزينًا، وتسويقًا، وصناعة غذائية شاملة من خلال ذلك.
وتنميةً حيوانية للثروة من الأنعام التي هي المصدر للبن ومشتقاته، واللحوم بأنواعها، وكذا الاهتمام بالحياة البحرية الغذائية، والبرية من طير وصيد إنسي ووحشي.
ولا بد من تنميتها والاهتمام بغذائها وصحتها؛ لأنها وسيلة موصلة إلى الأمن الغذائي فلا بد منها، فوجوبها كلي وسيلي.
ويتولى هذه المؤسسة الهامة الأكفاء والأمناء العدول من الوزراء والخبراء والمهندسين والفنيين والإداريين والعاملين.
ويهتم بها تطويرا ودعما ماديا ومعنويا من الدولة؛ لأنها تقوم بأحد أكبر الوسائل التي تخدم المقاصد الكبرى وتحفظ النفس والمجتمع والشعب بأنواع ضرورية وحاجية وتحسينية من الحفظ؛ فوجب على الدولة ذلك؛ لذلك.