ويحرم على حاكم إدارة البلاد بسياسة العصابة؛ لأنها سياسة مبناها على العصبية
_________________
(١) - أخرجه مسلم برقم ٤٩١٠ من حديث عوف بن مالك عن رسول الله ﷺ قال «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم». قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال «لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة».
[ ١ / ٢١٥ ]
والتعصب لفئة من دون الشعب، وهي سياسة ودعوة حذر منها الشرع وجعلها في صنف الدعوات الجاهلية، فمن «يدعو لعصبة وينصر عصبة فهو من جثى جهنم» (١).
فحرم الشرع مجرد الدعوة إلى العصبة فضلا عن اتخاذها سياسة يعامل بها الحكام الشعب.
وسبيلها مليء بالمفاسد، والأهواء، والشهوات، والمطامع.
وتبدأ بسعي الحاكم لتعيين من يطيعه طاعة مطلقة في الباطل والشر والأهواء فضلا عن أضدادها.
ولا بد -عادة- مقابل الطاعة المطلقة أن يلتزم الحاكم بحمايتهم في مناصبهم، وحمايتهم عن المساءلة والمقاضاة، ودعمهم بما يديرون به ذلك، ومن هنا تبدأ المفاسد والمظالم والشرور.
وهذا كله من المحرمات الواضحة؛ لأنها تعاون على الإثم والعدوان المحرم بالنص (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢).
ويستغل الحاكم سلطاته التي منحها له الشعب في غير مقصود العقد له، فيخرج بذلك عن الالتزام بالعقد الدستوري والنظام والقانون، وذلك لتقوية نفسه ودعم أفراد عصابته ونفوذهم، فيصدر بحكم سلطاته التوجيهات الخادمة للعصابة إلى أي مؤسسة للدولة، أمنية أو عسكرية أو قضائية أو مالية أو خدمية.
وإذا عُرْقِلَ التوجيه في إحدى مؤسسات الدولة نظرا لمخالفته النظام والقانون: فإن كانت الدولة قوية وسيادة القانون نافذة وتوقف أمره لذلك سعى حالا أو مآلا فسادا في الأرض بالكيد والتآمر على تلك الجهة، فيعزل أو يوقف أو يضعف الأكفاء والعدول الوطنيين ويستبدلهم بمن ليس كذلك.
ويظهر حينئذ الفساد الوظيفي، والإداري، والمالي لقلة الأمناء والكفاءات.
وتمرر الصفقات المجحفة بالمال العام والاقتصاد الوطني، والمشاريع الوهمية، والنثريات التي تصل إلى حد العبث والسفه والتبذير بالثروة.
_________________
(١) - تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢١٦ ]
وإذا كان القضاء قويا مستقلا ففرض عليه شرعا أن يستدعي الحاكم ويسائله.
ولما كان لا بد للعصابة الحاكمة أن تستدعى قضائيا؛ فإنها تسعى لاجتثاث القضاة الحاكمين بالحق والعدل، بالتقاعد، أو التغيير، أو الترقيات إلى مناصب غير فاعلة، وفي أحسن الأحوال قد يبقى القضاء على قوته لكن على غير النافذين.
وهذا الأمر من معايير صلاح أو هلاك وفساد الأمم «إنما أهلك من كان قبلكم إذا سرق فيهم القوي تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» (١).
ويمارس النظام الفاسد العصابي ضم مجموعة من القضاة إلى دائرته، وإسكات أخرى والتنكيل بضعفاء عبرة للغير.
ويتعمد اعتماد رواتب للقضاة غير كافية لهم ضمن سياسة عامة للامتهان والإذلال، بمحاربة الأرزاق.
ويتعمد الحاكم ونظام العصابة في تنفيذ الأحكام القضائية إظهار إضعافها بعدم حماية الجهات التنفيذية لتنفيذ الحكم كثيرا خاصة على النافذين والموالين، ومن يود شراء ولائهم.
وأول ما يستهدف من الدولة في ظل سياسة العصابة المؤسسة الأمنية والعسكرية، والمالية، والإعلامية، فالأولى لضمان حمايته وقمع صوتٍ من الشعب يقف أمام فساده.
ثم المال لشراء الولاء وخدمة النفوذ، والإعلام لقلب الحقيقة وتحسين صورته للشعب.
ثم يستهدف المؤسسات القانونية كنواب الشعب، ثم السلطة القضائية.
ثم يضرب الحياة الاجتماعية فيُشَيِّع ويفرق الشعب على أساس مناطقي وطائفي وقبلي.
ويضرب الحياة السياسية بقمع الحريات الصحفية والإعلامية لحماية النظام بحجة فرعون (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر: ٢٦).
ويتعامل الحاكم مع القيادات النافذة في العصابة بما لا يقويهم مطلقا فينفردون عنه، بل تظل مصالحهم، ومن هو مرتبط بهم أسريا، أو اجتماعيا، أو اقتصاديا، أو سياسيا في يده.
_________________
(١) - تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢١٧ ]
وقد يوقعهم في قضايا إجرامية خطيرة مالية، أو أخلاقية، أو دموية، أو سيادية وطنية كالتخابر، والتعاون مع العدو.
ويوثق ذلك ويحتفظ به كملف للضغط والتهديد به عند الحاجة إليه بسياسة (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) (الشعراء: ١٩).
ويُمْكن للنظام الفاسد أمام الشعب من إحداث تغييرات شكلية أو غير هامة في الوزارات والقيادات بما لا يشمل أركان عصابته النافذة، فيجعلهم في أماكن هامة يديرون الفساد والظلم ويتحكمون حتى في تعيين الوزراء، والقيادات، والمحافظين، والمدراء وغيرهم (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: ٩).
وتبقى قيادات هذه العصابة في أهم الأماكن قابضين على المال والثروة، وعلى المؤسسة الأمنية والعسكرية، والمؤسسة الإعلامية، والتعليمية، والقضائية، والتشريعية.
ويكونون وراء المظالم، والأزمات، والفساد في الأرض، والعبث بالثروات، واللعب بالدستور والقانون، وشراء الذمم الفاسدة، وإشعال الفتنة بين الشعب، والتخلص من القوى ببعضها.
ويتهاوى الاقتصاد، والأمن، والعدل، وتفشو البطالة والفقر.
ولا بد -حينئذ- أن تتحول المظالم إلى فساد في الأرض، والفساد إلى أزمات، والأزمات إلى ثورة للمظلومين تطيح بالفساد والعصابة الحاكمة بالفساد كسنة إلهية لا تتغير.