والواجب الشرعي على الولاة جمع الكلمة، وتوحيد الصفوف، وإخماد الفتن بين الشعب.
هذا هو الأصل الشرعي الكثيرةُ أدلته من الكتاب والسنة.
ويحرم قطعيا إيجاد العداء والبغضاء، وتغذيته، ولا يصنع ذلك إلا الشيطان وأولياؤه من المنافقين والكفار (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) (التوبة: ٤٧).
ومن الجرائم الكبرى أن يتخذها الإمام والولاة سياسة بين الشعب، فيضرب الأنداد بقوة بعضهم، قوة قبليَّة، أو اجتماعية، أو دينية، أو اقتصادية.
[ ١ / ٢١٨ ]
وقد يمد الطرفين في آن واحد.
وهذا محرم قطعي معلوم من الدين بالضرورة، وقد ذكره الله عن أهل النفاق (ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) (التوبة: ٤٧).
وقال سبحانه عن المنافقين (كُلَّ مَا رُدُّوَا إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُوا فِيِهَا) (النساء: ٩١)، أي فهم مع هؤلاء ضد هؤلاء، والعكس.
فتحرم سياسة تغذية الأنداد لإيجاد الصراع في أي شكل من أشكالها ولو كان مسجدا بجانب مسجد فتنة بينهم، كمسجد ضرار (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (التوبة: ١٠٧).
وتبطل ولاية من أذكى الصراع والفتنة بين الشعب ولو كان الإمام الأكبر؛ لأنه نقض شرط عقد الولاية القائم على جمع الكلمة ورعاية المصالح، ولم يف بالعقد ولا بالشرط (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
والعقود إذا خولفت وترتب على ذلك الضرر الفاحش، وجب رفع الضرر والانتهاء عن المخالفة، فإن أصر بطل العقد؛ لأنه صار سبيلا إلى الضرر الفاحش.
وهكذا عقد الولاية إذا صار سبيلا إلى المفاسد الكبرى كالفتنة بين الشعب، وإذكاء الصراع وتغذيته من الولاة، فولايتهم باطلة، ولا شرعية له بعقد الولاية؛ لأنه استعمل للمفاسد والضرر العام، فأصبح لزومه والالتزام به ضررًا ومفسدة فيبطل.