الوظيفة العامة هي عمل عام للمسلمين بأجر من المال العام، ولا بد أن تكون جارية على ما تكون فيه المنفعة للشعب ظاهرة، فإن لم تكن منفعة فهي عبث يمنعه الشرع.
ويتعلق بها نوعان من المنافع قصدهما الشرع:
الأولى: وهي الأصل، كون منفعة الوظيفة لخدمة المصلحة العامة؛ لذلك شرط فيها الكفاءة والقوة والأمانة؛ لأنها تحقق مقصود الشرع من خدمة الولاة والموظفين للناس.
الثانية: وهي منفعة الشخص لنفسه لكفايته ومن يعول، وثَمَّ ترتيبات أخرى بحسب نوع كل وظيفة.
وقد منع الشرع تولية الضعيف «إنك ضعيف وإنها أمانة» (١)، فعلم اشتراط القوة، وهي من الكفاءة في تحمل ذلك.
ومنع من تولية من أظهر حرصا على الولاية وظهر من حاله تقديم مصالحه على المصالح العامة.
_________________
(١) - تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٢٣ ]
ولا مانع من اشتراط الجهة شروطا تدخل في الكفاءة من مؤهلات وخبرات وشهادات وتزكيات لأمانته.
ولا يوجد في الترتيب الشرعي للوظيفة العامة ما يمنع الولاية عن فئة أو منطقة أو جهة، فالحاكم إن مارس ذلك فقد خالف الشرع، وخالف عقد الشعب، وحمل دعوة من الجاهلية.
وعلى مؤسسات الدولة -ولا بد- منعه من ذلك، فإن عجزت فالشعب يأطره على الحق ويأمره وينهاه.
ويُقَاضَى حاكم مارسَ المناطقية في الوظيفة وغيرها؛ لأن ذلك ليس من المصلحة العامة للشعب، بل هو تفريق وتشييع له؛ فتقوى طائفة وتستضعف طوائف، وهي نوع من السياسة التي ذمها الله على فرعون (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: ٤).
ويحق عزله دفعا لمفاسده، ويجب إن غلبت المفاسد والفساد في الأرض، وأعلاه ما يؤدي إلى تفتيت الشعب وتمزيقه وتقوية بعضه واستضعاف بعض بمناطقية أو فئوية أو غيرهما.
والله يأمر بالعدل والإحسان.
وتوزيع الدرجات الوظيفية على غير معيار الكفاءة والاستحقاق بمناطقية ونحوها خروج عن العدل والإحسان إلى الجور والإساءة.